اراء

أوهام السلام مع إسرائيل

بقلم: الياس عاقلة..

منذ ما قبل التأريخ، كانت فلسطين ولا تزال في وقتنا الحاضر وستبقى، هدفاً أساسياً لجميع دول الاستعمار الغربية. وقد استطاع الفلسطينيون، محاربة ودحر جميع هذه الحملات الاستعمارية حتى ولو طالت لمائة سنة، وما الكيان الصهيوني -إسرائيل- إلا أداةً في يد تحالفٍ دوليٍ غربيٍ في محاولةٍ جديدةٍ لاحتلال فلسطين، لتكون لهم نقطة انطلاقٍ لنشر نفوذهم في جميع العالم العربي. ومع كل الحملات الاستعمارية الماضية، كما مع الاستعمار الإسرائيلي الحالي، تم توقيع اتفاقياتٍ وتعهداتٍ كاذبةٍ لوقف الحروب ونشر السلام، والتي لم تكن كلها سوى فرصةً يستغلها المستعمر لالتقاط أنفاسه ولتجديد ولتصنيع موارده العسكرية التي تم استنفادها فيخرق هذه الاتفاقيات ويستمر في العدوان. وما خطة ترامب للسلام إلا نموذجاً آخر لهذه الاتفاقيات الكاذبة.

تُظهر الاحداث لنا أن الكيان الإسرائيلي منذ نشأته عبارة عن كيان عسكري إرهابي محرضاً على استمرارية الحروب التوسعية، متذرعاً بتعاليم التلمود اليهودي المتعالية والعنصرية والمشبعة بفلسفة الإبادات الجماعية ضد الأغيار (كل من هو غير يهودي) التي تمت برمجة نفوس معظم يهود العالم بها، ولتشجيع الجمهور الإسرائيلي ككل، خاصة عصابات المستعمرات الصهيونية والجيش الإسرائيلي، بالقيام بارتكاب مئات جرائم الإبادة ضد المدنيين الفلسطينيين، والتدمير الكامل لقراهم ومخيماتهم ومسحها عن الوجود، والتطهير العرقي والتهجير القصري لآلاف الفلسطينيين من وطنهم من أجل إقامة إسرائيل العظمى، التي وعدهم بها إلههم “يهوه”، غير آبهين بكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية، كما يفعلون في قطاع غزة وفي الضفة الغربية طوال السنتين الماضيتين.

يجب أن نعترف بالواقع، أن إسرائيل نجحت بتدمير ما يقرب من 90% من قطاع غزة وسوته بالأرض باستعمال آلاف القنابل الأمريكية الضخمة شديدة التدمير ما تضاهي قوة عشر قنابل نووية لتلك التي ألقيت على مدينتي “هيروشيما وناجازاكي” اليابانية. ولكنها لم تستطع تهجير الفلسطينيين من وطنهم، رغم فظائع الإبادة ضد النساء والأطفال، رغم أن الرئيس الأمريكي أمهل إسرائيل سنتين لإنهاء المهمة حسب الخطة المسبقة التي تهدف الى احتلال كل قطاع غزة وإفراغه من السكان، لكي يستطيع المستثمرون الغربيون بناء عقارات استثمارية مربحة، كما وصفها “جاريد كوشنر”، على شواطئ قطاع غزة، ولتستطيع شركات الغاز العالمية استخراج الغاز الطبيعي من سواحل البحر الأبيض.

أثناء مقابلة “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنر” على برنامج 60 دقيقة اعترف “ويتكوف” سهواً بوجود “خطة رئيسة” تم وضعها بشأن غزة قبل سنتين، أي قبل السابع من تشرين الاول 2023، مؤكداً ما ذكرتُه في مقالةٍ سابقةٍ لي تحت عنوان “التخطيط الحقيقي للسابع من أكتوبر”، من أجل إعادة إعمار غزة كريفييرا غربية بمنتجعاتٍ وفنادق وكازينوهات قمار ودعارة بأموال عربية خليجية، ولاستخراج الغاز الطبيعي من سواحل غزة. ويجب أن نلاحظ هنا تغيّر وجه ونظرات “كوشنر” من التعبير البارد الآلي المميز بشخصه إلى تعبير حذرٍ وقلقٍ من أن يكشف “ويتكوف” المزيد من الأسرار حيث سارع الى تغيير الموضوع.

وكذلك يجب أن نلاحظ أنه عندما سُئِل “كوشنر” عن انطباعه الشخصي عندما زار غزة أجاب كأن قنبلة نووية تم تفجيرها في القطاع، ولكنه أنكر أن إسرائيل قد اقترفت إبادة جماعية، وكأن تفجير قنبلة نووية في قلب مدينةٍ مكتظةٍ بالسكان لا تشكل إبادة جماعية. ولا عجب في ذلك لأنهم لا يعتبرون قصف مدنٍ يابانية -هيروشيما وناجازاكي- وقتل 200،000 مدنيٍ في يومٍ واحد إبادة جماعية. فالتفجير النووي لهم عمل عادي وليس إبادة جماعية.

جميع هذه الجرائم الإسرائيلية تُظهر بوضوح طبيعة إسرائيل الإرهابية، فإسرائيل تأسست على الإرهاب وعلى جرائم إبادة ضد العرب ككل، وضد الفلسطينيين خاصة. وعدا عن اعتداءاتهم ضد جيرانهم العرب اقترف الإسرائيليون جرائم إرهابية في العواصم الأوروبية وعواصم أمريكا اللاتينية عازينها “لإرهابيين عرب”، وقاموا بتخريب المفاعل النووية اليابانية في “فوكوشيما” عام 2011 عقاباً لهم بسبب دعمهم للقضية الفلسطينية، وقامت البحرية الإسرائيلية بأعمال قرصنة ضد الأساطيل الدولية الإنسانية لمساعدة غزة، وتسببوا بانهيارات اقتصادية لبعض الدول عبر سيطرتهم على صندوق النقد الدولي (IMF) التابع للأمم المتحدة وسيطرتهم على البنك المركزي الأمريكي (Federal Reserve)، كما اقترفوا جريمة هجمات الحادي عشر من أيلول 2001 لإجبار الإدارات الأمريكية على مهاجمة وتدمير وفرض عقوبات على الدول التي تتجرأ على مواجهة الجرائم الإسرائيلية وعلى دعم أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

تأريخ إسرائيل مليء برفض وخرق معظم معاهدات السلام العربية، إذ خرقت اسرائيل اتفاقية أوسلو وجرجرت اجتماعات السلام على طول سنين، رغم أن الفلسطينيين تنازلوا عن 78% من وطنهم واعترفوا بالكيان الإسرائيلي كدولة. ولكن الحكومات الإسرائيلية المتتابعة لم تكتف فقط بالسيطرة الكاملة على السلطة الفلسطينية وعلى ميزانيتها المالية وأجهزتها الأمنية وجباية الضرائب والبنوك، بل ازدادت شراسةً بمصادرة الأراضي الفلسطينية لبناء مستعمراتها، وبتدمير البيوت الفلسطينية تحت حجج واهية، وباستهداف الأطفال الفلسطينيين وسجن الكثير من الناشطين السياسيين. وما يحدث منذ سنتين في الضفة الغربية من تدمير كامل للمخيمات الفلسطينية وقتل وتهجير السكان وبناء المستعمرات على أرض الضفة إلا مثال بسيط لهذه الإبادة الوحشية.

يجب أن نتذكر دائماً أن صراعنا الحقيقي مع هذا الكيان الصهيوني الإبادي هو صراع وجود وليس مجرد صراع حدود. فإسرائيل لا تملك إلا الابادات الجماعية للفلسطينيين كما أظهر لنا تأريخها عبر 78 سنة على الأقل، وكما يهدد سياسيوها وجماهيرها يوميا. وبعد سرقة وطننا وهدم مدننا وبيوتنا، ورفض تنازلاتنا عن حقوقنا لتحقيق السلام، وقمع مسيراتنا السلمية التي لم تلق إلا تعصباً وإرهاباً وقمعاً إسرائيلياً وإهمالاً عربياً ودولياً لم يبق لنا -نحن الفلسطينيين- إلا تبني نفس الأساليب الصهيونية الإرهابية التي تطبقها إسرائيل ضدنا: قسوة أعظم من قسوتهم وإرهاب أكثر تطرفاً من إرهابهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى