اراء

لبنان على شفا اشتعال حرب جديدة

بقلم: د. إسماعيل النجار..

الأسابيع الأخيرة حملت معالم مشهدٍ إقليمي جديد، بضغوطٍ دبلوماسية وسياسية تقودها واشنطن وتتقاسم أدوار التنفيذ والتغطية فيها مع تل أبيب وشركاء أوروبيين، في إطار محاولة أخيرة لإجبار بيروت على «حصر السلاح بيد الدولة» ضمن مهلة زمنية معلنة، بينما يردّ على ذلك موقف حازم من قِبل قيادة المقاومة التي تؤكد رفضها القاطع لأي تسليم للسلاح.

ما بين التهديد السياسي والتهويل الإعلامي والتحرّك الميداني، يقف لبنان على مفترق طرق يمكن أن يحوّله إلى ساحة مواجهة شاملة إذا لم تُدار الأزمة بحكمة سياسية وتحفّظ دولي حقيقي.

تقارير متعددة تحدثت عن وجود ضباط ومراقبين أمريكيين في غرف عمليات أو مراكز تنسيق تعمل مع إسرائيل لإدارة ضربات ومهمات استخباراتية داخل لبنان، ما يضع واشنطن في موضع إشراف مباشر على جزء من التحركات الميدانية. هذا النوع من التنسيق إذا صحّت تقاريره فإنه يغيّر قواعد الاشتباك ويشرح سبب تسارع بعض العمليات الاستهدافية وظهور سيناريوهات زمنية لفرض خيارات سياسية على بيروت.

الحكومة اللبنانية شرعت، بحسب بيانات وتقارير صحفية، في مطالبة الجيش بإعداد خطة لضمان أن تكون المؤسسات الرسمية وحدها الحاملة للسلاح بحلول نهاية العام، قرارٌ يحمل في طياته رهانات سياسية كبيرة ومخاطر انزلاق إذا ما حاول تطبيقه بالقوة أو دون تفاهمات داخلية شاملة. هذا التوجّه الحكومي واجه، رفضًا واضحًا من قِبل قيادات المقاومة التي تربط أي نقاش حول السلاح بظروف سياسية وأمنية محددة وبتوقف الضربات والتهديدات الإسرائيلية.

ردّ المقاومة رفض واضح واستعدادات غير معلنة، وموقف قيادتها كان سريعًا وحاسمًا، لا تسليم للسلاح في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية والضغوط الخارجية وبقاء الخطر الإسرائيلي على حدود لبنان. هذا الرفض لا يأتي من فراغ؛ فهو مبني على قراءة تكتيكية وسياسية لقيمة السلاح كأداة ردع وإمكانات ميدانية تراكمت خلال سنوات.

القيادات العسكرية في الحزب أكدت، أن أية محاولة قسرية ستواجه بردود فعل، لكنها لم تكشف ولا يجوز لها أن تكشف عن تفاصيل عملياتية. ما يمكن قوله بمسؤولية، أن البنية القتالية تمتلك عناصر تصلح للرد الاستراتيجي بدءًا من (القوة الصاروخية المتدرّجة، والطائرات المُسيَّرة، وخبرة لوجستية وميدانية كبيرة)؛ وهذه القدرات قد تُوظَّف بصورة مفاجئة على مستوى عملي وسياسي لخلخلة رهان الطرف المعتدي أو لرفع ثمن أية ضربات مستقبلية.

واحدة من التكتيكات الإسرائيلية من خلال الضربات والاغتيالات المتصاعدة تشير إلى مؤشر خطير يدل على نية إسرائيل وضراوة الحرب القادمة.

ويبقى السؤال ماذا قد تكون «مفاجآت» المقاومة بوجه ألعدو الصهيوني؟.

سياسيًا اتخاذ مبادرات تؤثر على المشهد الداخلي أو الإقليمي تحالفات، حشد سياسي، فرض معادلات تفاوضية جديدة.

إعلاميًا؛ ودبلوماسيًا؛ كشف معلومات أو توجيه رسائل تعطّل مساعي تبرير العدوان دوليًا.

عسكريا على مستوى التسجيل العام؛ استعراض قدرة على استهداف أهداف «حساسة» أو توسيع نطاق الرد عبر ساحة متعددة بصواريخ بعيدة المدى أو تنسيق مع مجموعات حليفة للقيام بذلك وبضراوة؟ من دون الدخول في تفاصيل تنفيذية. كل ذلك يبقى تحليلاً عاماً يضع في الاعتبار قدرة حزبٍ الله المسلح والذي تراكمت خبراته وعتاده خلال السنوات الماضية، وهذا إخوتي ليس وصفًا لإجراءات محددة أو دعوة للعنف لكنها التوقعات الحقيقية بمعرفتنا بعقل المقاومة.

إن تكلفة المواجهة كبيرة جداً على الجميع والخاسرون كُثر؟ ولن تكون المقاومة وحدها مَن يدفع الأثمان؟.

لأن أي انزلاق إلى حربٍ واسعة سيكون مدمرًا والخسائر البشرية والمادية كبيرة جداً عند الجميع، وموجات نزوح على الجبهتين، وضرب بنى تحتية حيوية، وتداعيات إقليمية تمتد إلى خطوط الملاحة والطاقة والاقتصاد. التأريخ الحديث في المنطقة يذكرنا بأن «الضربة المحدودة» قد تتوسع بسرعة حين تُمس منظومة الردع أو تُستهدف قدرة أساسية للخصم، لذلك فإن المقاربة العسكرية القصيرة النظر قد تُكلّف الجميع الكثير.

المقاومة ترفض التسليم بتاتاً وتمتلك أدوات ردع قد توظّف بصورة مفاجئة على مستويات متعددة مع التحفظ الكامل على أي تفاصيل تشغيلية.

لذلك فإن الخيار الوطني الوحيد المتفوق على مسار الانزلاق إلى حرب هو حل سياسي لبناني داخلي مدعوم بضمانات دولية تحمي المدنيين وتؤسس لآليات حقيقية لسيادة الدولة عن طريق وضع إستراتيجية دفاعية يتكامل فيها الجيش مع المقاومة وليس حصر أو تجريدها من السلاح، لأن ذلك لن يتم ولو على جبل من الجثث ونهر من الدماء.

على لبنان الرسمي ان يفكر ألف مرة قبل الإقدام على أية خطوة تخدم المصالح الصهيونية وتخرب لبنان. وان تفكر ملياً في إعادة بناء مؤسساتها، وأن أي مسار آخر قد يحوّل لبنان إلى ساحة لصراعات الآخرين، ويجعل المدنيين ضحايا قرار لم يُبنَ على توافق داخلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى