اراء

الرشق الانتخابي

بقلم/ مصطفى جواد..

في موسم الانتخابات، يبحث بعض المرشحين عن مشتركٍ في خدمة الإعجابات السياسية، تمامًا كما يشتري بعض رواد التواصل الاجتماعي متابعين وهميين ليبدو مشهورًا، يشتري بعض المرشحين «تفاعلاتٍ بشرية» في المقاهي والولائم والمضافات، ليبدو قريبًا من الناس.
تسمعهم يتحدثون عن التأييد الجارف، والحب الكبير، والعشيرة التي “كلهه وياه”، والمدينة التي “ما راح تخيّب ظنّه”، ثم تكتشف يوم الاقتراع أن تلك المدينة كانت منشغلة بتقليب صفحات الفيسبوك، وأن العشيرة اكتفت بالتصفيق في التعليقات.
إنه الرشق الانتخابي.
حملاتٌ انتخابية تُقاس بعدد اللايكات، لا بعدد الأصوات.
مرشحون يظنون أن الصورة مع طفل أو شيخ، تُعادل صندوق اقتراع كامل.
وجمهور يوزّع وعوده مثل الچاي المهيَّل: لكنه سرعان ما يبرد قبل أن يصل إلى المركز الإنتخابي.
في هذا السوق السياسي، هناك من يملك “جيوشًا إلكترونية”، وآخر يملك “جيوشًا عشائرية”، وكلاهما يتقنان فنّ الرشق؛ الأول يزرع قلوبًا حمراء على منشوراته، والثاني يزرع قلوبًا باردة في صناديق الاقتراع الفارغة.
الفارق الوحيد أن الرشق الإلكتروني لا يكلّف سوى حملات افتراضية، أما الرشق الانتخابي فيكلّف الوعود والولائم وابتساماتٍ توزّع بالجملة.
يُقاس النجاح بكمّ الصور لا بكمّ البرامج، وبعدد اللافتات لا بعدد الأفكار.
ولأننا في عصر كل شيء يُقاس بالظهور، صار بعض المرشحين يعتقد أن الوصول إلى البرلمان يشبه الوصول إلى الـ«ترند»؛ تكفي حملة مكثفة من التصريحات والمجاملات و”التفاعل” حتى يصل إلى “القبة”، غير مدرك أن البرلمان لا يملك خاصية “حذف التعليقات المسيئة” أو “إغلاق الرسائل الخاصة”.
هكذا تتحول الديمقراطية إلى منصة تواصل:
المرشح “ينشر” وعوده، والجمهور “يعلّق” عليها بحماسة، ثم يضغط الجميع على زرّ تجاهل في يوم الانتخابات.
وفي النهاية، عندما تُفتح الصناديق، يكتشف المرشح الحقيقة المرّة:
أن آلاف “المتفاعلين” معه لم يزحزحوا ورقة اقتراع واحدة، وأن جمهوره الوهمي لا يملك بطاقة بايومترية.
فيخرج أمام الكاميرات، متجهّم الوجه، يتحدث عن “التزوير” و”الخيانات السياسية”، بينما الحقيقة بسيطة:
لقد رُشِقَ، ولَمْ يُنتَخَب.
ولعلّنا بحاجةٍ إلى تنبيه الماكنات الإنتخابية إلى ضرورة رفع شعار:
“توقّف عن الرشق… وابدأ بالإقناع.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى