اخر الأخبار

الفكر العاشورائي والبعد التطبيقي

البعد التطبيقي للفكر الحسيني مهم جدا لإثبات حقيقة موقف الإنسان من هذه الثورة العملاقة، فالهدف الأهم هو تطبيق الثقافة الحسينية في معناها وجوهرها العظيم على حيّز الفعل الإنساني الملموس باليد والمرئي بالعين والمسموع بالإذن، فلا يكفي أبدا أن أدّعي الانتماء لجوهر الفكر الحسيني ولا أعمل به، ولا يجوز قط أن أتبجّح بالثقافة الحسينية ولا ألتزم بضوابطها وأعمل في هديها.. من أولويات التفكير المنطقي، هو معرفة الإنسان المنتج للأفكار، بأن أفكاره قابلة للتطبيق، وما براءة الاختراع التي يحصل عليها المخترع، إلا دليل قاطع على أهمية البعد التطبيقي للفكر، فكلما انطبق الفكر على الواقع واقترب منه، كان تأثيره واضحا وقويا في الحياة، ولا شك إن التاريخ الإسلامي المشرق ينطوي على نماذج مهمة كما هو الحال مع أمامنا الحسين (ع)، هذا النموذج العظيم الذي دوّن التأريخ ما قدمه للإنسانية بحروف من ذهب، لا تمحى طالما بقيت البشرية على قيد الوجود.
إن الإمام الحسين (ع) بدأ بنفسه أولا، وطبق القيم والأفكار التي أعلنها على نفسه أولا، فمثلا قيمة نبذ الظلم، لم تكن كلاما فقط أطلق الإمام فحسب وإنما طبّقه فعليا عندما انتفض بوجه السلطة المنحرفة، وقيم أخرى كثيرة يحثنا عليه الإمام (ع) طبّقها في حياته كالتضحية من أجل الآخرين، هذا الرأي وهذا الكلام قال به الأبعدون قبل الأقربين، وشهد العالم أجمع بإنسانية الحسين(ع)، وعظمة ما أورثه للبشرية في محراب الحرية، والوقوف بوجه جبابرة الظلم، حتى صارت هذه الوقفة فنارا لا يُغطّى نورها بغربال الضلال، أيا كان انتماؤه أو توجهاته، فالحق يعلو ويبقى كذلك حتى آخر الزمان، والباطل يهبط في اللحظة الأولى التي يولد فيها، هذه هي القيم والأفكار التي أنتجها المنهج الحسيني وطبقها عمليا في الواقع.
تُرى كم من الذين يتبجحون الآن بالقيم الحسينية ولا يعملون بها، كم هناك يتظاهرون بالفكر الحسيني ولا يطبقونه على أنفسهم؟، إن الواقع أفرز لنا الكثير من هؤلاء الذين يعلنون معرفتهم وتمسكهم بمبادئ عاشوراء ولكن لا يطبقونها، فلا شك أن ثقافة عاشوراء مستمّدة من سيرة الإمام الحسين (ع)، ومبادئه ومواقفه المعروفة للجميع، لاسيما أولئك الذين دأبهم إنصاف الحق، وهل هناك من لا يُنصف الحق ؟ نعم، أولئك هم أهل الباطل، وهم موجودون منذ أن نشأت البشرية على وجه البسيطة، وهؤلاء من ألد أعداء الإمام الحسين، لأنهم ينتمون له بالاسم ولا يعملون بنهجه ولا يطبقون القيم التي دعا إليها في حياتهم، وكأنهم بذلك يخدعون الناس لتحقيق مآرب ومصالح معروفة للجميع.
إن الفكر الإنساني والقيم التي أعلنها الإمام الحسين(ع) وثار من أجل تطبيقها، كانت قيماً عادلة، وهي قيم الحق ضد الباطل، لهذا وقف ضدها أهل الباطل، واليوم ما هو حكم من يعلن التمسك بها ولا يأخذ بها في حياته، إنه لا يقل عن أولئك الرافضين للحق، لهذا ينبغي عدم التهاون مع كل من يعلن انتماءه للحسين ثم يعمل بالضد منها في حياته وثمة أمر يعرفه الناس جيدا، فالحق والباطل هما طرفا معادلة لا تزول إلا بزوال الحياة، وهذا هو سر وفحوى الامتحان الإلهي للإنسان، فحين تقف مع الحق وأهله، ستكون في مأمن ونجاح مضمون، وإن وقفت مع الباطل وأصحابه، فمصيرك الفشل والخوف الأبدي، السبب بسيط جدا، إنك لا تستطيع أن تكذب على ضميرك قط، فهو الشاهد عليك حين تعرف الحق وتنحرف عنه صوب الباطل، من هنا فالإنسان مطالب بتطبيق البعد الفكري للمنهج الحسيني على نفسه أولا والعمل بها حتى يكون مرتاح الضمير، فضلا عن أن الناس سوف يحترمونه لأنه يطابق بين ما يعلن وما يعمل، أي أن الأفكار والقيم التي يؤمن بها ليست حبراً على ورق وإنما هي قيم ومبادئ يتم تطبيقها فعلياً في حياته..
ولا شك أن ما أعلنه الإمام الحسين بخصوص الإصلاح هو معروف للمسلمين جميعا، فقد أعلنها بوضوح (لم أخرج أشرا ولا بطر، إنما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي) لذا لا يختلف اثنان يستندان إلى الحق على إن ثقافة عاشوراء هي ثقافة الموقف الإنساني الجليل الرافض لأي خطأ يمضي باتجاه الظلم عمداً أو الذي يقود إلى التجاوز على حقوق الآخر، مهما صَغُرَتْ هذه الحقوق أو عَظُمتْ، لذا نقول إن فحواها مستمَد من جوهر الموقف الحسيني الرافض للظلم، أياً كان نوعه أو حجمه، علما أن البعد التطبيقي للقيم والأفكار على الواقع يعد الدليل القاطع الذي يثبت فيه الإنسان تمسكه واحترامه لما أعلنه الإمام الحسين جهارا نهارا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى