اراء

بعد قصف الدوحة.. هل تراجع تركيا سياساتها في سوريا؟

بقلم: هدى رزق..

تُحافظ تركيا على وجود عسكري في شمال سوريا، وتعتبر هذا الوجود ضرورياً لتأمين حدودها ومواجهة حزب العمال الكردستاني، على الرغم من أنها فتحت الباب واسعاً على التفاوض مع الحزب من أجل إلقاء سلاحه، إلا أنها مازالت تراهن على تفاعل قوات سوريا الديمقراطية لإلقاء السلاح في إطار تفاهمها مع عبد الله أوجلان الزعيم الروحي لحزب العمال الكردستاني.

تستكمل أنقرة جهودها بالداخل في عملية “تركيا بلا إرهاب” فيما استمر اللقاء الذي بدأه حزب الديمقراطية مع زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، وكان عبد الله أوجلان، قد عبر عن أنه لا مانع لديه ولدى حزب الديمقراطية من إعادة انتخاب أردوغان رئيسًا إذا ما أُعيدت عملية “تركيا بلا إرهاب” إلى مسارها الصحيح، وهذا منافٍ لما قاله صلاح الدين دميرطاش عام 2015 من أنه والحزب لن يسمحا لأردوغان بأن يصبح رئيساً، فكان مصيره مع أسباب أخرى السجن منذ ذلك الحين.

اعتبر الأمر في ذلك الوقت، تطوراً مهماً أنهى الحوار بين حزب العمال الكردستاني والحكومة، بوساطة حزب الشعوب الديمقراطي وجهاز الاستخبارات التركي آنذاك، لكن إذا سارت الأمور على ما يرام، فقد يدعم حزب الديمقراطية، إجراء انتخابات برلمانية مبكرة عندما يراها أردوغان وبهجلي مناسبة، ما يسمح لأردوغان بالترشح مجددًا.

كذلك عزز الوجود العسكري الأمريكي وانخراط “إسرائيل” مع قسد كحاجز في وجه إيران، شرعية قوات سوريا الديمقراطية في المنطقة، ما زاد من شعور أنقرة بأن حزب العمال الكردستاني يحظى باعتراف دولي غير مباشر. اتفاقية 10 أذار التي وقعها قائد سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بدفع من الأمريكيين مع الرئيس المؤقت أحمد الشرع، جرى التراجع عنها بعد الانتفاضة الدرزية والدعم الإسرائيلي لهذه الانتفاضة إثر الأحداث الدموية التي ارتكبتها قوات الشرع في السويداء.

من الواضح أن دعم تركيا للشرع لم يؤتِ أكله، وأن أولوية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي “إسرائيل” التي لا تريد أن تستقر سوريا، وهي تزاحم النفوذ التركي في محاولة فرض الاستقرار.

الاعتداء العسكري على سيادة قطر عبر قصف مقر حماس، حيث تجري مناقشة اقتراح ترامب بشأن الحرب في غزة، هو دليل ساطع على أن أمريكا و”إسرائيل” تتبعان السياسة نفسها، حقيقة أن قطر تستضيف حماس والإخوان المسلمين وتقود المفاوضات بطلب من أمريكا ينبغي عدم اعتبارها ضمانة أمنية.

لم تعد “إسرائيل” تشعر بالحاجة إلى تبرير أفعالها، هذه التطورات حملت تركيا على تصور التهديدات الأمنية، حيث تتصاعد التوترات السياسية والعسكرية في كل من شمال وجنوب تركيا.

وضمن هذا الإطار، صرح مايكل روبن أحد الناطقين باسم اللوبي الصهيوني بالتساؤل، أي بعد الهجوم الإسرائيلي على قطر، “هل الدور قادم على تركيا”؟ جادل روبن بأنه إذا ضربت “إسرائيل” تركيا، فلن يتذرع الناتو بالمادة 5 التي توجب مساعدة تركيا كعضو في الناتو، إذ لن يأتي أحد لمساعدة تركيا التي لطالما اشتكت من عدم تفعيل المادة الخامسة من نظام الناتو فيما يخص أمنها ولها سوابق في ذلك، وعلى الرغم من أن لدى ترامب تقارباً شخصياً وعلاقات تجارية مع أردوغان، اعتبر روبن أن الناتو لن يتمكن من إنقاذه، وأعربت الإدارة التركية عن أن الأعمال الإسرائيلية الاستفزازية ضد بلادها خاصة في الميدان السوري، تتصاعد نحو الصراع.

هل يمكن لتركيا إعادة النظر تجاه المجموعات الكردية؟

هل يمكن تحقيق سلام دائم في تركيا من خلال المفاوضات بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني؟ ما دامت قضية شمال سوريا من دون حل، وهي إحدى مشكلات أردوغان المعلنة، من أجل التدخل في سوريا وإيجاد حل للمسألة السورية وعدم موافقته على أية إدارة ذاتية لقسد.

كانت الاقتراحات الأمريكية تدعوه إلى التصالح مع قسد واليوم تعود اقتراحات وأفكار جديدة تذكره بحالة شمال العراق حين كان يعتبره تهديدًا وكيف تحول تدريجيًا إلى علاقة قائمة على المصالح المشتركة. فهل من الممكن أن يسلك شمال سوريا، مسارًا مشابهًا لشمال العراق؟ هذا إذا ما اتخذت تركيا خطواتٍ في قبول هذه المعادلة، بدلاً من التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية/ وحدات حماية الشعب، باعتبارها امتدادات لحزب العمال الكردستاني فحسب؟.

يمكن لتركيا أن تتبع السياسة نفسها التي طورت بها العلاقة مع حكومة إقليم كردستان في العراق من العداء إلى الشراكة من خلال تشجيع التجارة عبر الحدود، ومشاريع البنية التحتية، والتنمية المحلية في شمال سوريا، هل يمكن لتركيا تقديم فوائد ملموسة للسكان المحليين ولا سيما بعد ترتيب الوضع الداخلي لتركيا من دون إرهاب؟ وإعادة صياغة شمال سوريا، من ساحة تهديد إلى منصة محتملة للتعاون الإقليمي؟.

من شأن هذا التحول المقترح أن يعزز السلام الداخلي في تركيا، ويحد من الصراع التركي الإسرائيلي كما يراه الأمريكيون، لكنه سيضع الرئيس التركي في حرج داخلي تُجاه الأحزاب المعارضة ولا سيما حزب الشعب الجمهوري الذي يحاول إضعافه وتقسيمه ودعم الخلافات في الحزب وفرض الرئاسة السابقة الضعيفة نسبياً والتخلص من منافسين أشداء كأكرم إمام أوغلو ورئيس الحزب أوزغور أوزيل وذلك تحضيراً لتراجعات جوهرية ودستورية تُجاه المسألة الكردية من جهة وتُجاه إعادة ترشحه للرئاسة لمرة رابعة بعد تعديلين دستوريين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى