اراء

تحريف وسائل الإعلام الإسرائيلية للحرب مع إيران

بقلم: فاطمة كاوند..

في منتصف الليل بتأريخ 13 يونيو 2025، أطلقت إيران عملية “الوعد صادق 3” ردًا على العدوان المباشر الإسرائيلي، ما هزّ المعادلات الإقليمية. هذه العملية، التي بدأت بالتزامن مع رسالة تلفزيونية لقائد الجمهورية الإسلامية، تضمنت 22 موجة صاروخية و10 هجمات بطائرات مسيرة خلال 12 يومًا، ما هز قلب المراكز العسكرية والأمنية في إسرائيل.

لكن إلى جانب الخسائر الفعلية والضربات الثقيلة، تشكّل مشهد آخر ربما كان أهم من ساحة المعركة نفسها: مشهد حرب الروايات.

من الساعات الأولى، ظهر تضادٌ واضح بين الواقع الميداني وعناوين وسائل الإعلام الغربية الرئيسة. كتبت صحف مثل Financial Times وNew York  Times  أن “معظم الصواريخ تم اعتراضها” و”الأضرار كانت محدودة”، بينما أظهرت الصور المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي والتقارير الميدانية أن تل أبيب وحيفا تغرقان في النيران والدخان، وأن المباني انهارت والبنى التحتية الحيوية شُلّت. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف في التفاصيل، بل كان علامة على ظاهرة أكبر: إدارة الرواية عبر الرقابة اللينة.

حاولت إسرائيل إخفاء الواقع الحقيقي للأضرار من خلال حظر نشر الصور والإحصاءات وتهديد وسائل الإعلام المحلية. وصل الحظر إلى حد أن الصحفيين الإسرائيليين قد يواجهون الملاحقة القضائية إذا نشروا صورًا أو مقاطع فيديو. ما انتقل إلى العالم كان نسخة معدلة من الواقع، تهدف للحفاظ على الروح المعنوية الداخلية، ومنع الضغط الدبلوماسي، وإخفاء ضعف أنظمة الدفاع المتعددة مثل “القبة الحديدية”.

يسمّي خبراء الإعلام هذا النهج “الرقابة اللينة”. الرقابة اللينة لا تعني حذف الخبر بالكامل، بل إعادة صياغة الواقع ضمن إطار مسيطر عليه. حاولت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون تحويل الهزيمة الواضحة أمام صواريخ فاتح، والصواريخ الباليستية سجیل وقدر، والطائرات المسيرة أرش 2 وشاهد 136، إلى “انتصار دفاعي”. في هذا الإطار، ضحّت الحقيقة وأصبحت العناوين أداة نفسية.

في الوقت نفسه، أشارت تقارير مستقلة وبعض المصادر الإقليمية إلى الأضرار غير المسبوقة التي لحقت بالبنى التحتية والمراكز الحيوية الإسرائيلية، بما في ذلك مقر وزارة الحرب، المجمع العسكري- الاستخباراتي كيريا، القواعد الجوية نواتيم وتل نوف، مقر الموساد، مصفاة النفط في حيفا، المنطقة الصناعية كريات غات، ومطار بن غوريون.

كان من بين الأهداف الرئيسية التي استُهدفت معهد فايسمان البحثي في جنوب تل أبيب، وهو مركز علمي- بحثي يعمل في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والعلوم الحيوية والبحوث العسكرية، ويُعتبر أحد أعمدة الابتكار والتكنولوجيا في إسرائيل.

لم يُلحق تدمير هذا المركز الضرر بالقدرات البحثية والتكنولوجية فقط، بل أظهر عمق قدرة إيران على استهداف المراكز الحساسة المدنية- العسكرية، ورسالة واضحة للمعادلات الردعية الإقليمية: القدرة على الرد بدقة على التهديدات، حتى في قلب المراكز العلمية والتكنولوجية للعدو، جزء من أدوات الردع التي لم تكن إسرائيل مستعدة لها.

كانت ردود الفعل الدولية أيضًا مثيرة للاهتمام. الولايات المتحدة في بيان أولي وصفت إيران بـ”عامل عدم الاستقرار” لكنها اقتصرت على الدعم اللفظي فقط. كانت واشنطن تعرف جيدًا أن الاعتراف بمدى الخسائر يعني الاعتراف بضعف حليفها الرئيسي في المنطقة. الاتحاد الأوروبي دعا إلى ضبط النفس لكنه لم يتمكن من تحديد موقف واضح بشأن حجم الخسائر الفعلية. فقط بعض وسائل الإعلام غير الرئيسية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا أشارت إلى الفجوة بين الروايات بنشر الصور الميدانية. هذا الصمت والتناقض في المواقف كان جزءًا من حرب الروايات؛ رواية تفضل الحفاظ على صورة “إسرائيل التي لا تُقهر” دون تغيير.

لكن الخبراء العسكريين أقل التزامًا بهذه المراعاة. أقرّ محللون روس وحتى بعض المسؤولين الغربيين المتقاعدين أن اختراق الصواريخ الإيرانية لعمق تل أبيب كان “هزيمة استراتيجية” لإسرائيل، مؤكدين أن فعالية القبة الحديدية ضد الصواريخ هايبرسونك والهجمات المكثفة محدودة للغاية. وأشاروا إلى أن هذه العملية أظهرت أن التفوق العسكري الإسرائيلي لم يعد مضمونًا، وأن مفهوم الردع في المنطقة دخل مرحلة جديدة.

البُعد الإنساني أيضًا تحوّل في الروايات. في إيران، قُتل أكثر من ألف شخص وأُصيب نحو خمسة آلاف، منهم 160 امرأة وطفل. زعمت إسرائيل أن جميع هؤلاء كانوا “أهدافًا مشروعة”، بينما كان العديد من الضحايا من المدنيين العاديين. على الجانب الآخر، اعترفت إسرائيل بـ28 قتيلًا وأكثر من ثلاثة آلاف جريح، لكن مصادر أخرى ذكرت أن عدد القتلى تجاوز 800. هذا التباين أظهر مرة أخرى أن الرقابة الإسرائيلية لا تهدف فقط للتحكم الداخلي، بل لإعادة صياغة صورتها في العالم.

كما حُجبت العواقب الاقتصادية للعملية. ضرب مصفاة حيفا الإنتاج وتعطّل الإمداد بالوقود وارتفعت الأسعار. توقف الإنتاج في كريات غات أثر على الصناعات الدقيقة وأعاق التعاون التكنولوجي الدولي لإسرائيل. أغلق مطار بن غوريون لساعات وأضرّ بالتجارة والسياحة. لكن وسائل الإعلام الرئيسية قلّلت كل ذلك إلى “أضرار طفيفة”.

أظهرت إيران عبر عملية “وعد صادق 3” أنها قادرة ليس فقط على الرد في ساحة المعركة الصعبة، بل مستعدة أيضًا لمواجهة الحرب الناعمة. الصور الميدانية لحرائق تل أبيب، رغم الرقابة، بقيت في الذاكرة الجماعية للعالم. الفيديوهات التي تجاوزت الرقابة أثرت على أكثر من ألف مقال وتقرير رسمي. هذه هي النقطة التي انهارت فيها الروايات الرسمية: حيث يجد الواقع طريقه للظهور، حتى لو تم دفنه.

في الختام، يمكن القول إن عملية “وعد صادق 3” لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة تأريخية لكشف الفجوة بين الحقيقة والرواية. حاولت إسرائيل وحلفاؤها تحويل الهزيمة إلى انتصار عبر الرقابة والتحريف، لكن الصور والأدلة صرخت بعكس ذلك. العملية قدّمت درسًا رئيسيًا: في عصر وسائل الإعلام متعددة الطبقات ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد بالإمكان إخفاء الهزيمة وراء العناوين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى