كيف أجبر الرئيس الأمريكي قادة أوروبا على الانصياع لأوامره؟

د. سعد ناجي جواد..
انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لقادة أوروبا يتقدمهم الرئيس الفرنسي، وهم يجلسون في صف واحد وكأنهم في غرفة انتظار احدى المستشفيات او في عيادة طبيب او طلاب مدرسة في انتظار أن يسمح لهم المدير بالدخول، وكتب عليها (صورة للتأريخ). الصورة كانت مفبركة (فوتوشوب)، ولكن فكرتها كانت صحيحة مائة بالمائة. من تخيلها كان بالتأكيد قد لاحظ المنظر (المُذل) الذي ظهر به هؤلاء القادة وهم يجلسون مع الرئيس الأمريكي حول الطاولة ويستمعون له وهو يوزع عليه الإطراءات الكاذبة، بعد ان أتوا صاغرين ليصادقوا على ما اتفق عليه هو والرئيس الروسي بوتين مسبقا، وأكثرهم اثارة للشفقة والسخرية معا كان (دونكيشوت) أوكرانيا الرئيس زيلينسكي، بابتساماته الفرِحة بالتنازلات المهينة التي اُجبِرَ على قبولها وابتلاعها رغما عنه.
ربما أفرحت هذه الصورة الكثير من قادة منطقتنا الذين انتُقِدوا على قبولهم بالطريقة التي أجبرهم فيها الرئيس ترامب على تقديم المليارات له دون مقابل، وسيشعرون براحة نفسية مرددين مع انفسهم (نحن فعلنا ما فعلناه بسبب عدم قدرتنا على مواجهة الجبروت الامريكي، ولكن ما هو عذر دول أوروبا التي تتفوق مجتمعة اقتصاديا وعسكريا على الولايات المتحدة؟)
لقد كان واضحا ان الامر لا يتعلق بالقدرات ولا بالحاجة إلى واشنطن، وإنما بالاستعداد للقبول بالإهانة والتبعية، وبالذات فيما يخص الرئيس الفرنسي، الذي حاول منذ وصول الرئيس ترامب للسلطة ان يظهر بمظهر المتحدي خاصة فيما يخص مسألة الاعتراف بدولة فلسطين وانتقاد المجازر وحرب الإبادة في غزة.
هؤلاء القادة، ومنذ ان اعلن ترامب على انه سيعمل على إيقاف الحرب في أوكرانيا، وان على الأخيرة ان ترضى بالتنازل عن الأراضي التي سيطرت عليها القوات الروسية، وقفوا معارضين وقدموا لاوكرانيا مئات المليارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية لكي يدفعوها للمضي قدما في الحرب ضد روسيا، وبالضد من كل آراء الخبراء العسكريين الذين كانوا يقولون أن أوكرانيا تخوض حربا خاسرة، ومع ذلك جلسوا مع الرئيس ترامب ليعلنوا ان وقف الحرب امر ضروري، وقالوا، مع تمنع وباستحياء، انه يجب ان تكون هناك (ضمانات امريكية) لحماية أوكرانيا او تعهدات روسية بعدم مهاجمتها ثانية. وهذا المطلب مضحك بحد ذاته لان الرئيس بوتين قال منذ بداية الأزمة التي سبقت الحرب ان روسيا لن تقبل بانضمام أوكرانيا إلى الناتو، ولما بدأت واشنطن التحضيرات لإدخال كييف إلى الحلف هاجمها بوتين، وكانت النتيجة في النهاية ان قبل الجميع بشرط بوتين، وعلى رأسهم زيلينسكي، الذي اضطر إلى إنهاء مغامرته، بعد كل ما نتج عنها من خسائر بشرية ومادية هائلة، والقبول بفقدان خمس الأراضي الاوكرانية ونسيان جزيرة القرم إلى الأبد.
لقد كانت هذه الحرب مثالا على الغباء السياسي الأمريكي والأوربي والأوكراني. فأولا ان عدم حدوثها لم يكن يتطلب سوى تعهد بسيط من أوكرانيا بعدم الدخول في الحلف الأطلسي، وثانيا إغراؤها امريكياً وأوربيا بتحدي القوة العسكرية الروسية الهائلة. صحيح ان الجيش الروسي تعرض لنكسات عديدة وحرجة، ولكنه بالنتيجة استطاع ان يعيد ترتيب أوضاعه ويصحح مساره، ثم بدأ منذ شهور قليلة بالتقدم بسرعة في مناطق شرق أوكرانيا والسيطرة على اجزاء غير قليلة منها وضمها إلى روسيا عنوة. والاهم من ذلك هو مظهر المنتصر الذي ظهر به الرئيس بوتين في لقائه مع ترامب، وكيف أجبره على التعامل معه باحترام وفرش له البساط الأحمر واستقبله مصفقا له.
هناك من يقول ان الرئيس الأمريكي حاول ان (يُهين) نظيره الروسي في بعض الحركات، مثل ان البساط الأحمر الذي مده افراد من الجيش الامريكي للرئيس بوتين كان اصغر من ذلك الذي مُدَ للرئيس ترامب وان طائرات الشبح المقاتلة المتطورة ظلت تحوم وبصورة منخفضة ولافتة للنظر فوق الرئيس الروسي وهو يسير على ارض المطار مما اثار انتباهه، وان الرئيس الأمريكي الذي وصل المطار قبل وصول نظيره الروسي ظل جالسا في طائرته حتى وصل بوتين ونزل من الطائرة، إلا ان كل هذه الحركات لم تغير من لحظة ونشوة الانتصار التي شعر بها الرئيس الروسي منذ لحظة الوصول وأثناء المحادثات وفي المؤتمر الصحفي، ولم يقدم اي تنازل او وعد بوقف الحرب قبل ان تعلن أوكرانيا أنها راضية بالنتيجة.
ومع ذلك تبقى هناك عقبات لإنهاء الحرب في أوكرانيا. اول العقبات هي الحوار المباشر الذي يرغب ترامب ان يراه بين بوتين وزيلينسكي. الرئيس الروسي أعطى وعدا شفهيا باستعداده للجلوس مع نظيره الاوكراني، لكن وزير الخارجية الروسي لافروف سرعان ما قلل من احتمالية حدوثه بقوله ان هذا الامر يجب ان يكون تدريجيا، ويجب ان تسبقه اجتماعات لجان مختصة لوضع الترتيبات لتفاهمات نهائية. كما قيل ان بوتين اخبر نظيره الامريكي انه مستعد لاستقبال زيلينسكي في موسكو والتحدث معه، وهو ما قد يتردد الاخير في فعله خوفا من رد الفعل الشعبي الاوكراني، الذي سيسأله عن سبب اصراره على الحرب ثم قبوله بالذهاب مهزوما إلى موسكو، كما ان هناك تشجيعا بريطانيا -فرنسيا-المانيا له لرفض ذلك .
نعم لقد افشل الرئيس بوتين مؤامرة كبيرة لاضعاف روسيا وتركيعها، والان ستبدأ مرحلة استعادة مكانتها الكبرى في اوروبا والعالم، وان مخططي الاستراتيجيات الاوربيين سيبدأون العمل على ايجاد نقاط ضعف جديدة في النظام الروسي لإقلاقه. اما الرئيس الأمريكي فقد حقق صفقة تجارية مربحة جديدة، كانت اول بوادرها السيطرة على المعادن الثمينة في أوكرانيا وآخرها عقد أوكراني جديد اخير بشراء أسلحة امريكية بـ90 مليار دولار!
حرب أوكرانيا ستبقى نموذجا آخرَ على محاولات الدول الكبرى استخدام الدول الأصغر، او بالأحرى على استعداد قادة تلك الدول لتدمير بلدانهم وتعريض ابنائها للقتل والتشريد خدمة لمخططات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وسيبقى المثل القائل (ما اكثر العبر وما اقل المعتبرين) يتردد بدون أن يعيه غالبية هؤلاء القادة.



