اراء

سوريا ليست بخير وطريقها للتعافي مازال طويلاً

بقلم: عريب الرنتاوي..

جرأة الأقليات” في التطاول على النظام الجديد بدمشق، تنهض شاهداً ودلالة على أمرين اثنين: الأول؛ فشل الحكم الجديد في أن يكون “جامعاً” للسوريين وممثّلاً لهم.. والثاني؛ بداية انسحاب الغطاء العربي والدولي عن الحكم الجديد، إن الضيق بأدائه واليأس من قدرته على قيادة سوريا في لحظة استثنائية من تأريخها، أو لأسباب تتصل بأجندة إسرائيلية “معلنة”، وغربية “مضمرة” بالمضي في إنهاك سوريا وتفتيتها، وصولاً لإعادة ترسيم خريطتها وخرائط الدول المجاورة أو لجملة هذه الأسباب مجتمعةً.

في الشمال الشرقي، كانت الحسكة مسرحاً لمؤتمر ضمّ انفصاليين ومؤيّدين للاستقواء بالإسرائيلي، أشدّ خصوم النظام الجديد ومعارضيه، التقوا تحت سقف واحدٍ ليبعثوا برسالة شديدة القسوة للشرع وفريقه وهيأته الحاكمة: سوريا لن تعود دولة مركزية، و”اللامركزية”، أو بالأحرى، “فيدرالية” الطوائف والأقوام، هي عنوان سوريا المقبلة، وهي مضمون الدستور السوري الدائم، حين تتاح الفرصة لصياغته وإقراره.

يأتي ذلك، في ظلّ صمت أمريكي مريب، متواطئ وشريك، من تحت الطاولة ومن فوقها، تزامناً مع تلويح مستجدّ بإعادة تفعيل سلاح العقوبات، وتراجع “حماسة” ترامب للشرع، الذي سبق أن وصفه، تحت تأثير “تريليونات الدولارات” التي تُسيل اللعاب، بأنه “شاب قوي وذكي”، متعهّداً بتسهيل مهمته في قيادة المرحلة الانتقالية بسوريا.

فرنسا بدورها، وبالنيابة عن عدد من الدول الاستعمارية القديمة، تؤدّي دور “رأس الحربة” في مشروع حلف الأقليات، دخولها على خط “مؤتمر الحسكة”، وعرضها استضافة حوار كردي – سوري في باريس، تجعل دمشق تتحسّس رأسها، ومن خلفها أنقرة، التي دخلت في سباق على النفوذ مع فرنسا في سوريا وعليها، وتعمل ما بوسعها للتشويش على “القناة الفرنسية” التي لا يبدو أنها تتحرّك بمعزل عن “ضوء أخضر” أمريكي، وهذا التلاقي الأمريكي – الفرنسي، هو الذي جعل انعقاد مؤتمر الحسكة بالصورة التي انعقد عليها، والنتائج التي خرج بها، أمراً ممكناً، وهو الذي أكسب “الأطراف”، جرأة التطاول على “المركز” وتحدّيه في صميم مشروعه.

العرب، لم يعودوا على حماسة الأشهر الأولى للشرع وإدارته الجديدة، وهذا أمرٌ غير مستغرب، فلم يعرف عن الدول العربية ومنظومتها الإقليمية، “الصبر الاستراتيجي” و”طول النفس”، حراكهم -اللفظي في الغالب- غالباً ما يأخذ شكل “الفزعات”، و”الفقّاعات” التي سرعان ما تنتفخ وتتطاير وسرعان مع تتبدّد وتذهب هباءً منثوراً.

مثل هذا المشهد، الذي يتوالى فصولاً على الساحة السورية اليوم، سبق أن شاهدنا نسخة عنه بالأمس، في أواخر سنوات عهد الأسد – الابن.. يومها، وفي ظلّ إدارة بايدن، بدا أنّ واشنطن مستعدة للتهاون مع محاولات التقرّب العربي صوب بشار الأسد، وأنها تعطي فرصة لمقاربة “خطوة مقابل خطوة” التي جاءت بها الورقة الأردنية غير الرسمية، وتشكّلت لجنة اتصال عربية بمشاركة فيصل المقداد، طافت بين العواصم في اجتماعات متتالية، وأُفرِج عن الأسد، الذي زار عواصم خليجية وازنة، وشارك في مؤتمرات قمة عربية.. لا العرب مارسوا ضغطاً كافياً على الأسد للتحرّك بسرعة إلى الأمام، ولا الأسد قرّر مغادرة منطقة الراحة Comfort Zone” ” التي ركن إليها، مطمئناً لـ”عودة العرب وجامعتهم إلى سوريا”، ولوجود حلفاء أقوياء لطالما قاتلوا دفاعاً عنه، وغالباً بدلاً عنه.

سيدرك الشرع، ونأمل ألّا يكون بعد “خراب البصرة”، بأنّ شهر العسل مع العرب والمجتمع الدولي، ليس بلا نهاية، وأنّ الاكتفاء بتوجيه “رسائل حسن النيّة” صوب “إسرائيل”، لن يشفع له، سيما وأنّ “إسرائيل” تعتقد أنّ هذه الرسائل، هي الاستجابة البديهية للغطرسة والاستباحة الإسرائيليتين، وليست “كرم أخلاق” من الشرع وصحبه، لا فضل لهم فيها، بل هم مجبرون على تقديمها.

وسيدرك الشرع ورفاقه، أنّ “البساط الأحمر” الذي مُدَّ له في عواصم عدة، قصير مهما طال واستطال، وأنه لن يكون بديلاً عن الاستقواء بالشعب السوري، كلّ الشعب السوري، من دون تمييز بين أبنائه وبناته، مكوّناته وكياناته.. حتى الآن، يبدو أنّ نشوة النصر الخاطف في الثامن من كانون الأول، مازالت تلعب برؤوس “القوم” وتحجب عنهم رؤية المياه الكثيرة التي تجري تحت السجادات الفاخرة في “قصر الشعب”.

ببطء شديد، سيدرك نظام الشرع – الشيباني، أنه ليس كلّ من تحالف مع النظام القديم، عدواً مطلقاً، إلى يوم القيامة… ذهب إلى موسكو مستنجداً بدورها و”دورياتها” في شرق الفرات وجنوب سوريا، وتعهّد بوصل ما انقطع من علاقات وروابط، جمعت تأريخياً موسكو بدمشق، ولكنه لم يفعل ذلك، إلّا بعد أن تأكّد له، أنّ خطوة كهذه، تؤيّدها “تل أبيب”، ولا تمانع بها واشنطن.. هذا لا ينطبق على إيران، الحليف الأكبر الثاني لنظام الأسد المخلوع، فالرجل لم يحتمل منح طائرة لاريجاني (المدنيّة)، إذناً بالتحليق في الأجواء السورية، وهو الذي يشهد بأمّ العين، الطيران الحربي الإسرائيلي يجوب سماء سوريا طولاً وعرضاً، ليلاً ونهاراً، ويلقي على أهداف على مبعدة أمتار من قصره، بأثقل القنابل، ويحوّل في لحظات، مبنى رئاسة الأركان السورية، في قلب دمشق، إلى كومة من رماد.

سوريا ليست بخير، ومشوارها للتعافي واستعادة السيادة ووحدات البلاد الجغرافية والديموغرافية، دع عنك التعافي وإعادة الإعمار، مازال الطريق طويلاً وشاقاً ومؤلماً… والأهمّ، أنّ نهاياته “السعيدة” مازالت في علم الغيب… أما الأمر المتصل بسلوك النظام ومواقفه وممارساته، فإنه يجعل السؤال عمّا إذا كانت هذه هي أولوية النظام الجديد، أم أنه مستعدّ للعيش والتعايش مع فكرة “إمارة إدلب موسّعة”، وأنه يري سوريا برمّتها، من “خرم إبرة الإمارة”، وأنه ربما يجول في عقله “الباطن”، التساوق مع مشروع توم برّاك، وإعادة ترسيم خرائط المنطقة على خطوط الدم، خطوط الطوائف والمذاهب والأقوام، وبصورة تضرب عرض الحائط، بخطوط وخرائط سايكس بيكو، وما أنتجته من دول وطنية في المشرق والهلال، بدت ضرورة على ما فيها من هشاشة و”مَظلمات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى