زمن الآم الضرس
غسان عباس محسن
ألم الضرس لا يضاهيه إلا ألم الوطن المنهوب من سياسيين رقدت ضمائرهم في غيبوبة أبدية، ولان المستشفيات الحكومية يعامل فيها المواطن كعبء يثير قرف الموظفة الأربعينية التي تظهر بعضاً من أثار عقدها النفسي تجاه الرجال أثناء عملها، اضطر “حسين جمال” لان يقترض مبلغا من المال من أحد أصدقائه لكي يتمكن من الذهاب إلى العيادة الخاصة لطبيب الأسنان.
العمر لحظات نعتلي خلالها عتبات سلم صدئ لعمارة عطنة. ألم الضرس يدفع الإنسان للقيام بأي شيء من أجل إخماد تمرده، ولعله يكشف عن الوجه الأناني القبيح للإنسان، فيجعله يتمنى لو أن هذا الألم يصيب أي شخص أخر غيره حتى لو كان من أحب الناس إلى نفسه. الألم هو أسوأ شيء في الوجود، كتفجيرات إرهابية تنهش مثل داء خطر أجزاء من تلك المدينة وتقضم بعضا من أحبائك ومعارفك، فلا تملك أن تفعل شيئا غير أن تظل قابعا في سرير عجزك و تتناسى أصوات القضم متقبلا ببساطة كل ما يجري من حولك. الألم يشتد ويشتد والطبيب تأخر كثيرا.. ولِمَ لا يتأخر؟ سأل “حسين” نفسه، ثم أجابها مزدرياً كل أنظمة هذا البلد المتخم بالفساد والتخلف “الألم في ضرس حسين وليس في ضرسه”!
السيطرات الأمنية أضراس أصابها التسوس منذ أمد بعيد، فأصبحت تنهش أوقاتنا وتنهشنا معها. آه لو علم رجال الأمن في السيطرات بآلام “حسين” ولو أنهم أحسوا بها للحظة؛ ربما ما كانوا ليدعوا عندها طوابير السيارات أن تصل إلى أماكن قصيّة.. أصبر.. أصبر.. فما لك غير الصبر يا مسكين. مرضى آخرون صاروا يتقاطرون على العيادة، لكن أحدا منهم لم يكن يعاني كما كان “حسين جمال” يعاني. فقد كان يعيش بحق في زمن آلام الضرس الخاص به. روائح المعاناة تفوح من بعض الناس كانوا يشبهون “حسين” بعض الشيء، لكن رائحته كانت تمتد إلى أماكن بعيدة. ولكن؛ كان هنالك الآخرون الذين لم تكن تفوح منهم تلك الرائحة، أولئك هم الذين يعيشون في المسرات.. آه، كيف يبدو البعض سعداء وهم يعيشون معنا على تراب هذا الوطن نفسه؟ توجه بسؤاله بشكل مفاجئ نحو رجل كان يقف قريبا منه وكانت تفوح منه نفس تلك الرائحة فيما كانت عيني حسين تنهشان هيئة رجل آخر.. رد عليه الرجل الذي وجه إليه السؤال بنبرة الضجر المنزعج.. المال يا أخي هو ما يجلب السعادة في هذا البلد أو في أي بلد آخر.
المال.. هذا الشيء اللعين الذي يتصارع من أجله رجال السياسة والسوق وحتى الـ… . أكفر بكل الأقوال والترهات التي لطالما رددوها على مسامعنا ليل نهار، منذ الطفولة والكل يحاول أن يلقننا شيئا من تلك المبادئ, لكننا اكتشفنا بأن صاحب المال على حق والآخرين كلهم على باطل، الواقع يقول ذلك، واقع “حسين جمال” يقول ذلك.
وفي تلك اللحظة التي أشرق فيها الأمل في نفسه مع سماعه لوقع أقدام الطبيب القادم، كانت حقيقة واحدة تتجلى بوضوح في رأس “حسين”: المال وحده كفيل بجلب الطبيب لإنهاء زمن آلام الضرس الرهيب.



