تكامل اقتصادي” أمريكي – هندي” لمواجهة الصين

بقلم: جمال واكيم..
في ظل التغيرات المتسارعة بالنظام الدولي، تشهد العلاقات الاقتصادية بين الهند والولايات المتحدة تطورًا لافتًا، تجلّى مؤخراً في المفاوضات النشطة الجارية بين الطرفين بشأن اتفاق تجاري ثنائي شامل يهدف إلى تقليص الرسوم الجمركية، وتعزيز النفوذ المتبادل إلى الأسواق، وتقوية سلاسل التوريد المشتركة.
وفي خضم هذه الدينامية الجديدة، تبرز أهمية هذا التقارب الاقتصادي في السياق الأوسع لتوازن القوى في آسيا، خصوصاً فيما يتعلق بموقف الهند من الصين وسعي نيو دلهي الى فرض هيمنتها على جنوب آسيا لمنع بكين من الوصول الى المحيط الهندي وبالتالي تعزيز موقف الهند الجيوسياسي في مواجهة الصين.
الهند في مواجهة الصين
والجدير ذكره أن العلاقات الاقتصادية لا يمكن أن تُقرأ فقط من زاوية التبادل التجاري والمنافع الاقتصادية، بل تُعتبر إحدى أدوات إدارة التوازنات الجيوسياسية حيث يتحول الصراع الجيوسياسي الى جيو اقتصادي. لذا فإن الهند تعتبر ان تعميق الشراكة مع الولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي، خاصة في ظل التوترات التجارية مع بكين، يمنحها هامش مناورة أوسع في مواجهة القوة الصينية الصاعدة والتي تتفوق بأضعاف على القوة الاقتصادية الهندية حيث تجاوز الناتج المحلي القائم للصين 18 تريليون دولار أميركي مقابل 3.6 تريليونات دولار أميركي للهند.
من جهتها أن الولايات المتحدة تسعى للتقارب مع الهند لتحقيق عدة اهداف أهمها إحداث شرخ داخل مجموعة البريكس بين عضوين مؤسسين للمجموعة هما الهند والصين، واستمالة الهند الى صف الولايات المتحدة لاستخدامها كحجر عثرة امام سعي الصين للوصول الى المحيط الهندي وتحديدا الجزء الغربي منه الذي سيشكل احد المنطلقات الرئيسية بالنسبة لبكين نحو افريقيا من جهة وشرق المتوسط ومن خلفه أوروبا من جهة أخرى.
لذا، فإن الولايات المتحدة، رغم فرضها مؤخرًا رسومًا جمركية بنسبة 26 بالمئة على بعض الصادرات الهندية ضمن إجراءات “الرسوم الانتقامية” التي قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب فرضها على العديد من الدول، إلا انها وافقت على تأجيل تنفيذ هذه الرسوم حتى 1 آب 2025، في ظل استمرار المفاوضات الثنائية بين واشنطن ونيودلهي. هذا التأجيل، الذي تزامن مع زيارة وزير الخارجية الهندي إلى واشنطن للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية الرباعية “كواد”، يعكس تداخلاً بين البعدين الاقتصادي والاستراتيجي في العلاقات الثنائية.
استهداف سلاسل التوريد الصينية
يُعتبر تعزيز التكامل في سلاسل التوريد أحد الأهداف الرئيسية للمفاوضات الهندية-الأمريكية وخاصة في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا، والدواء، والصناعات التحويلية. في هذا السياق، تسعى الهند لأن تطرح نفسها كبديل موثوق عن الصين للشركات الأمريكية التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على بكين خصوصا في ظل التنافس الجيوسياسي المتصاعد بينهما.
وقد بدأت بعض الشركات متعددة الجنسيات بتحويل خطوط إنتاجها من الصين إلى الهند، مستفيدة من برامج الحوافز الحكومية الهندية، فضلاً عن تمتع الهند بسوق استهلاكية ضخمة ويد عاملة ماهرة. ويعتبر خبراء أن تعزيز هذه الاتجاهات من خلال اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة قد يمنح نيودلهي قدرة أكبر على التفاوض من موقع اقوى مع الصين.
من هنا فإن نيودلهي تعتبر ان الشراكة التجارية مع واشنطن ستمكنها من ان تصبح أكثر قدرة على لعب دور “الموازن الإقليمي” للصين وعلى الحد من فاعلية الأدوات الاقتصادية التي تعتمدها الهند لتوسيع شبكة علاقاتها الدولية وهو ما تنظر اليه الهند والولايات المتحدة معا على أنه تهديد لهما.
رسائل هندية وتحديات
تسعى الهند من خلال شراكتها الاقتصادية، والاستراتيجية مع الولايات المتحدة، الى توجيه رسائل متعددة للصين. أما أول هذه الرسائل فهو أن نيودلهي لن ترضى بأن تكون الصين، المتفوقة اقتصادياً، هي التي تقود منظمة بريكس وشنغهاي وهي التي ترسي الاجندات السياسية والاقتصادية في هاتين المنظمتين، عدا عن رفض الهند لأنْ يكون للصين شبكة علاقات في جنوب آسيا تتجاوز الهيمنة الهندية في هذا النطاق.
كذلك فإنه عبر الشراكة مع الولايات المتحدة، فإن نيودلهي تريد ان تحذر بكين من انها تمتلك الفرصة لبناء شبكة علاقات دولية خارج اطار منظمتي بريكس وشنغهاي يمكن ان تمنحها الفرصة لبناء تحالفات اقتصادية واستراتيجية تعزز من مكانتها الإقليمية والدولية في مواجهة الصين. هذا سيمكن الهند من الضغط على الصين لحل مسائل خلافية بينهما مثل الحدود او النفوذ في المحيط الهندي، كما يمكن أن تمنح الولايات المتحدة القدرة على زيادة الضغط على الصين في منطقة بحر الصين الجنوبي او حتى في افريقيا.
في نفس الوقت فإن الهند لا يمكن أن تذهب بعيداً في خصومتها مع الصين، اذ انها تتشارك معها في منصتين دوليتين باتتا تشكلان محددا رئيسيا للسياسة الخارجية الهندية وهما بريكس وشنغهاي للتعاون. كذلك فإن الهند لا تزال تعتمد على الصين في الكثير من القطاعات الاقتصادية وعلى رأسها المنتجات الالكترونية والمواد الأولية اللازمة لصناعاتها.
خلاصة
بناء على ما تقدم، فإن الهند قد تستفيد من شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة لتعديل ميزان القوى الاقتصادي والسياسي المختل بقوة لصالح الصين خصوصا في إطار التنافس بين نيو دلهي وبكين على النفوذ في جنوب آسيا، إلا أن هذا لن يدفع بالهند لأنْ تذهب بعيداً في خصومتها مع الصين التي تربطها بها شبكة معقدة من العلاقات الجيوسياسية والاقتصادية.
لذا يمكن القول إن الهند تسعى عبر علاقاتها مع واشنطن أن توازن علاقاتها ببكين وتلعب على التناقض بين الصين والولايات المتحدة لتوسع هامش مناورتها بما يجعلها تنتزع أقصى حد من المكاسب السياسية والاقتصادية من الطرفين في آنٍ معًا.



