اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام الحسين والعلاقة بين الإصلاح والصلاة

محمد علي جواد تقي

“أشهد أنك قد أقمت الصلاة”.

من الزيارة السابعة للإمام الحسين، عليه السلام، (زيارة وارث)

الفساد والانحراف والتضليل، مفاهيم لها وجود في الذهن، ثم تخرج الى الواقع الخارجي في تطبيقات عملية، فنراها متجسدة في أفراد، كما نجدها في جماعات، فاذا عقدنا النية على مكافحة هذه المفاهيم السلبية والضارة علينا شحذ مفاهيم تقف بالضدّ منها لمحاربتها على الصعيد العملي، كما هو الحال في البكتريا النافعة التي تقمع نظيرتها الضارة في جسم الانسان، وهذا مثال للتقريب.

ففي ساحة المعركة يوم العاشر من المحرم، كان جيش ابن سعد يرى في الامام الحسين مقاتلاً ضد النظام الأموي الجائر، ومعارضاً لشخص يزيد بأن يتولى منصب خلافة رسول الله، والتحكم بمصائر المسلمين، وأنه يرى نفسه الأجدر، فالقضية في كربلاء سياسية بأدوات عسكرية، ولم يدُرْ في خلدهم لحظة واحدة أن الامام الحسين إنما يقاتل ويضحي بنفسه وبأهل بيته لأمر آخر أوسع بعداً مما يعيشونه في لحظتهم الراهنة، علماً أنه، عليه السلام، أعلنها جهاراً نهاراً بأني “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”، ولكن؛ ربما لم تطرق أسماعهم هذه الكلمة، كما هي اليوم تدوي في الآفاق، أو سمعوها ولم يعوها، في كل الاحوال، غابت عنهم حقيقة أراد الامام الحسين تجسيدها في ميدان المعركة يوم عاشوراء، بأن الاسباب التي جعلتهم يفقدون كرامتهم وحريتهم، يمكن إزالتها ومعالجتها قبل فوات الأوان.

رسالتان بعثهما الامام الحسين، عليه السلام، لأهل الكوفة المتجحفلين تحت إمرة ابن سعد والشمر وأشباههما، هما: طلب تأجيل المعركة من ليلة العاشر من المحرم الى نهارها، فأرسل أخاه العباس، عليه السلام، “فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشية، لعلنا نصليّ لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار”، ولابد أن تناهى هذا الطلب الى أسماع بعض أو جزء كبير من تلك الجحافل، بأن الامام يطلب تأجيل القتال ليصلي الى ربه ويتلو القرآن الكريم، والرسالة الثانية: أداء الصلاة وسط المعركة، فيما كانت السهام تنهال على معسكر الامام في لحظات لا توصف.

التضحية من أجل الصلاة أم من أجل مكافحة الفساد؟!

بما أن الغاية النهائية للحركة الحسينية المعارضة؛ الإصلاح في الأمة، وإعادة الروح الدينية الى كيانها من خلال “آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”، فمن أرقى وأسمى معالم الدين وأكثر حيوية؛ الصلاة التي نعرف قيمتها من القرآن الكريم: {تنهى عن الفحشاء والمنكر}، ومن حديث رسول الله، صلى الله عليه وآله: “الصلاة عمود الدين”، وأي قائد اليوم يعيش حالة مواجهة على الصعد كافة؛ سياسياً واقتصادياً، ومخابراتياً، وتكنولوجياً، يوظف كل طاقاته ووقته لتوجيه الضربة الناجحة للعدو، ولن يفكر بشيء اسمه: الصلاة، لسبب بسيط جداً؛ “بالإمكان الإتيان بها لاحقاً”، أو “ثمة وقت متاح للصلاة، بينما لا وقت أمام الخصم”، بينما يغيب عن ذهن البعض أن الفساد والانحراف والمحاصصة السياسية وغيرها من المساوئ في المجتمع والدولة، كلها تنبع من مجانبة الدين وأحكامه ونظمه، كما كان الحال عليه في عهد الامام الحسين، وفي يوم عاشوراء، “فالإمام الحسين قد أقام الصلاة بتضحياته الجسام، وباستقامته وصلابته في طريق الحق، وواجه المستبدين كافة، وإن كانوا قد تجسدوا في يزيد الذي كان يلعب بالقرود، ويشرب الخمور، ويحاول أن يحطم عُرى دين الله، عروةً عروة”. بما يعني أن صلاة الامام الحسين وسط ميدان المعركة، رسالة الى الأمة والى الأجيال بأن هذه الصلاة هي الجسر الوحيد المؤدي الى الإصلاح الحقيقي لكل ما تعانيه من أزمات ومشاكل ومحن، ومن لا يجد في نفسه القوة للتضحية من أجل الصلاة، بوقته –على أقل التقادير- كيف له الادعاء بقدرته على محاربة الفساد والظلم، وهي مواجهة محتدمة بالحديد والنار؟

من هنا يعلمنا الامام الصادق، عليه السلام، في زيارته لجدّه الامام الحسين، بأن نتذكر دائماً هذه القاعدة الاساسية في عملية الإصلاح والتغيير عندما نشهد في قراءتنا للزيارة بأن “أشهد أنك قد أقمت الصلاة”، وقد بحث في هذه الجملة القصيرة، العديد من العلماء، المضامين والابعاد الواسعة لمسألة “الشهادة” من الزائرين على مَرِّ العصور.

والغريب حقاً أن نسمع هذه الايام بأن إقامة الصلاة في الدوائر الرسمية، او في الجامعات او في الاسواق، مدعاة لتضييع حقوق الناس! بدعوى أن البعض يتخذ من وقت الصلاة فرصة للتهرّب من أداء مسؤوليته وأمانته في عمله، ثم يربطون بين هذا التصرف الشاذ، وبين الفساد! متناسين –ربما عن غير قصد- الاسباب المعروفة والمؤثرة بشكل مباشر في نشوء وانتشار هذا الداء الوبيل.

وحسناً قال رئيس وزراء إحدى الدول الاسلامية في دعوته لإقامة الصلاة في الدوائر الرسمية، بأن “البعض يقول للصلاة عندي عمل، وأنا أقول للعمل عندي صلاة”! وهذا تجسيد لأحد أبرز قيم النهضة الحسينية في حياتنا اليومية لمن يريد تحقيق الإصلاح ومحاربة الفساد والتخلص منه الى الأبد.

وهذا يعني تهديد مصالح الفاسدين في المجتمع والدولة، لذا نرى محاولات غير مباشرة عديدة للتقليل من أهمية الصلاة في المدرسة، والجامعة، والسوق، والدوائر الحكومية، فما الضير في أن يؤدي الناس صلاة الفريضة في أي دائرة حكومية عندما يحين وقتها، وهي لا تأخذ من الوقت سوى دقائق معدودة؟

إقامة الصلاة بشكل طوعي مع الشوق والحب والالتزام الدائم، تخلق حالة من القوة الذاتية بإمكانية إنجاز أي عمل على أحسن وجه، لأن ثمة قدرة لا متناهية تكون مع المصلي الذي سيحظى بصلة مباشرة مع هذه القوة القاهرة عندما يسجل حضوره الدائم، كما يسجل الكثير حضورهم الدائم في ديوان عشائري، أو مكتب لشخصية مرموقة لها شأنها في إنجاز معاملات وقضاء أعمال، او حتى الحصول على منافع مادية، فهل هؤلاء أكثر قوة وقدرة من الله –تعالى-؟! أم أن الغفلة بسبب دوامة الازمات والمشاكل هي التي تبعد الانسان عن حقائق واضحة في الحياة؟ .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى