هزيمة بعض قوى الحق لا تعني أن الحق محكوم بالهزيمة
الامام الخامنئي
نحن نتصوّر أنّه وبسبب تعرّض بعض النهضات الداعية إلى الحقّ للهزيمة في بعض مقاطع التاريخ ـ فإذا أُصيب زيد بن علي أنّه ينبغي أن تشكّل لنا هذه الوقائع رؤية عامّة وهي أنّ كلّ نهضةٍ تقوم بالحقّ على الباطل محكومٌ عليها أن تُهزم. حيث إنّ بعض الجهلة وعديمي الاطّلاع على منطق القرآن يتصوّرون مثل هذا. وقد قلت إنّ مثل هذا التصوّر يدخل إلى قلوب المستبدّين وطغاة التاريخ مثل الماء العذب. فهم يتمنّون من كلّ قلوبهم أن يعيش الناس مثل هذا التصوّر ويعتقدوا به. وبالطبع، من الواضح أنّهم هم من يروّج لمثل هذا النمط الفكريّ. لكنّ هذا الأمر مخالفٌ للواقع.فلو أنّ زيداً بن عليّ استُشهد هناك على تلك الحال المفجعة، فهذا ليس دليلًا على أنّ الحقّ محكومٌ بالزوال والهزيمة، بل إنّه دليل على أنّ الحقّ مع وجوده فهو يحتاج أيضًا إلى السعي والعمل والجهاد. فلا ينبغي أن نظنّ أو نتصوّر ذلك لأنّ كلمتنا هي الحقّ فلا ينبغي أن نسعى في طريق الحقّ. ولا ينبغي أن نتصوّر بما أنّ دعوتنا هي القرآن، فإنّ الله سوف ينصر القرآن ويتقدّم به هكذا. كلّا؛ صحيحٌ أنّ كلمة الحقّ ستبقى حقًّا، وصحيحٌ أنّه قُضي بأنّ العالم سيتقبّل هذا الحقّ في المستقبل وهو من المسلّمات؛ ولكنّ الأمر يحتاج إلى السعي والفعّاليّة، ويجب على البعض أن يصبروا عليه، ويحتاج البعض إلى أن يبذلوا المهج من أجل تثبيت عرش الحقّ. إنّ ما جرى على زيد بن عليّ يقدّم لنا هذا الدرس، وهو لا يقول إنّ الحقّ محكومٌ بالزوال، فلماذا وقعوا في هذه الشبهة ؟.
لقد كان زيد بن عليّ صاحب كلمة حقّ وهذا مسلّم. وقد وقّع الإمام الصادق صلوات الله عليه أيضًا على جهاد زيد بن عليّ ضدّ جهاز هشام بن عبد الملك، وأجاز ذلك النضال المدهش والتاريخ ناطقٌ بهذا المعنى. فقد ذهب هذا الجليل أيضًا وقام بالعمل بشكلٍ جيّد. غاية الأمر أنّ بعض الباحثين عن الأعذار، والذين تكسوهم الجهالة وعدم الوعي أو الأغراض السيّئة، والتي أدّت إلى وقوعهم تحت تأثير دعايات السوء التي يبثّها العدوّ المتربّص، قد خذلوه في اللحظة الحرجة وتركوه لوحده. هذا هو الدرس الذي نتعلمّه من تلك الواقعة، وهو أنّه حتّى ولو كانت الكلمة حقًّا، وحتّى ولو سلّمنا بحقّانيّة زيدٍ بن عليّ، فإن خذله أنصاره وأتباعه وتركوه لوحده ولم يسلكوا طريقه في الجهاد والسعي معه، فإنّهم سيُهزمون. أمّا لو جاهدوا فإنّهم سيتقدّمون، وإنّ كلّ كلمات العالم هي على هذا المنوال. أسألكم، كم تعرفون في هذا العالم من أفرادٍ وعقائد ومذاهب تمكّن أتباعها وأنصارها من خلال السعي والجهاد من ترسيخها وتثبيتها ؟ فكيف يمكن للكلام الباطل، والكلام الذي يخالف سنّة العالم وطبيعة الإنسان، أن ينتصر ويثبت على أثر السعي والجهاد، في حين لا تستطيع كلمة الحقّ أن تستقرّ وتثبت على أثر الجهاد ؟ فأيّ كلامٍ هذا، لكنّ البعض يكرّرون هذا الكلام الباطل، يشترّونه.وها نحن نجد كيف أنّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه في إحدى خُطب نهج البلاغة، وفي جملةٍ من هذه الخطب المختصرة يبيّن هذا المطلب بشكلٍ كامل؛ وسوف أنقل لكم هذه الخطبة الآن، وهي الخطبة التي قرأتها على الإخوة الذين قد حضروا لعدّة مرّات وفي المحافل المختلفة. فأمير المؤمنين يشرح وقائع تقدّم جنود الإسلام في زمان النبيّ، فيقول: “وَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، نَقْتُلُ آبَاءَنا وَأَبْنَاءَنَا وَإخْوَانَنا وَأَعْمَامَنَا”؛ لو كان الأبّ أو العمّ أو الابن أو الأخ تحت راية الكفر وأراد بذلك محاربة النبيّ، فنحن كنّا مع رسول الله. لم نكن نقول إنّ هذا أخونا فلا ينبغي أن نقتله، أو إنّ هذا ابننا لا ينبغي أن نقتله، بل كنّا نقتل كلّ هؤلاء في سبيل الله، وعندما كنّا نفعل ذلك ونرجع فإنّنا لم نكن نشعر بأيّ تزلزلٍ في قلوبنا أو أن نتحسّر ونندم على ما فعلنا في سبيل هذا الدين الجديد والفكر المعاصر. كلّا؛ فإنّ إيماننا لم ينقص أبدًا على أثر هذا الإقدام الحادّ والحازم: “مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا، وَمُضِيًّا عَلَى اللَّقَمِ، وَصَبْرًا عَلى مَضَضِ الاْلَمِ”. وهذا الجهاد كان يؤدّي بنا إلى أن نصبح أكثر حزمًا في أعمالنا وأكثر صبرًا على الآلام والآثار المحرقة للجهاد.حسنٌ، ويقرّر أمير المؤمنين أن يختصر شرح ميادين الحرب فيقول: “وَجِدًّا عَلى جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالاْخَرُ مِنْ عَدُوِّنا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا، أيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ المَنُونِ”. لكنّه فيما بعد وفي آخر هذه الخطبة – وهي خطبةٌ قصيرةٌ – يقول: “فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصرَ”. فلقد جاهدنا إلى أن رأى الله فينا الصدق ورأى كيف أنّنا ملتزمون بالإسلام ونؤمن به حقًّا، وكيف أنّنا أثبتنا بعملنا إيماننا العميق. ونحن حينما عملنا وفق ذلك، فإنّ الله أنزل الكبت بعدوّنا وأنزل علينا النصر. وبعد جملتين أو ثلاث، يقول: “وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ”. وهذا الكلام قد قاله أمير المؤمنين في زمان خلافته، عندما ابتُلي بجماعةٍ من الناس تفضّل الكسل والدعة، وتتحجّج وتبرّر قعودها فعندما كان يدعوهم إلى حرب معاوية، وعندما كان المقرّر أن يذهب إلى قتال طلحة والزبير كانوا يختلقون له آلاف الأعذار الشرعية لأجل عدم الذهاب.إذًا، فالقضيّة سهلةٌ جدًّا وواضحة، اثنان + اثنان = أربعة، هذا هو التحليل الاجتماعيّ الذي يقدّمه أمير المؤمنين. أجل، إنّ المطلب يصبح بصورةٍ مختصرة كالتالي: وهو أنّ الأنبياء الإلهيّين، بالإضافة إلى أنّ أعمالهم تتواءم مع الانتصار في سلسلة نبوّتهم، وأنّه كان لهم الفتح والعاقبة الأبديّة والنهائيّة في خاتمة العمل، فقد كان لهم الفتح والانتصار والوصول إلى ما أرادوا وإلى ما يريده مذهبهم في هذه الدنيا أيضًا؛ وكان هذا أمرًا مسلّمًا بالنسبة لهم. ولكن بشرط أن يؤمن أتباعهم وأصحابهم وأن يظهروا الإيمان الواقعيّ وأن يجاهدوا ويصبروا في ميادين القتال.




