اراء

حكومة السودان الجديدة ومأزق المحاصصة بين الشركاء

بقلم: ثابت العمور..
علّة السودان المُزمنة تتلخّص في المحاصصة السياسية والاقتسام الاقتصادي، وقد أفضت تلك العلّة سابقاً إلى تقسيم السودان جغرافياً وسياسياً ما بين شمال وجنوب، لم ينتبه الفرقاء إلى تلك العلّة -علّة المحاصصة والاقتسام- فتمدّدت إلى انقسام ثمّ صراع سياسي أفضى لمواجهة عسكرية وحرب شاملة ما زالت متواصلة بين الشريكين البرهان وحميدتي. واليوم تهدّد العلّة ذاتها بنسف جهود وحظوظ إقلاع حكومة كامل إدريس المتعثّرة منذ شهر ونصف الشهر على خلفيّة الخلافات في المحاصصة والاقتسام.
عاش السودان على وقع تفاؤل حذر، عندما أصدر عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العامّ للجيش؛ قراراً في 19 أيار 2025 بتعيين كامل إدريس، الموظّف الأممي السابق، رئيساً للحكومة الجديدة. التي لم يُعرَف مصيرها حتى اللحظة بعد ما يزيد عن شهر ولا تزال تراوح مكانها. وفي تفاصيل البحث عن أسباب التعثّر تصطدم الإجابات بأنّ أهمّ الأسباب التي تحول دون تشكيل حكومة إدريس قضية المُحاصصة، إذ تطالب الحركات المسلحة التي ساندت الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع بحصتها ونسبتها في الحكومة الجديدة وفق اتفاقية جوبا، بالوزارات نفسها وربما بالوزراء أنفسهم.
التعثّر في تشكيل الحكومة السودانية الجديدة يعني أنّ هناك ضغوطات وخلافات وابتزازاً يتعرّض له الجيش قد يتدحرج إلى صراع جديد بين الجيش وشركائه، ويعني أنّ الجيش سيصبح أسير ترضيات الشركاء في الحرب، وأنّ الجيش يتحمّل أيّ إخفاقات قد تحدث.
والأهم أنّه بدلاً من أن تكون الحكومة الجديدة بقيادة إدريس مدخلاً لحلّ سياسي وعسكري وتنموي ونهضوي شامل أصبح تشكيلها عنواناً لأزمة سياسية، وأنّ الاستقلالية والوعود والمحدّدات التي تحدّث عنها كامل إدريس رئيس الحكومة الجديدة ورغبته بتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة غير ممكن.
وأنّ إرضاء الحركات المسلحة الداعمة للجيش أولوية مقدّمة على أيّ اعتبارات مهنية وموضوعية أخرى كرضى الشارع السوداني؛ وموافقة المجتمع الدولي واعترافه، وأنّ تشكيل الحكومة الجديدة يقع تحت سقف اتفاق جوبا للسلام الموقّع عام 2020 والذي يمنح حركات دارفور المسلحة حقّ التمثيل الوزاري بنسبة 25% والمختصرة في وزارتي المالية والمعادن.
أجهضت المحاصصة “حكومة الأمل” التي كان رئيس الوزراء السوداني الجديد كامل إدريس، يسعى لتشكيلها، فعقب قرار تعيينه أعلن الرجل أنّ شعار حكومته هو “الأمل” ورسالتها “تحقيق الأمن والعيش الرغيد والرفاه للشعب”، وترتكز رؤيتها على الانتقال بالسودان إلى مصاف الدول المتقدّمة، وأنّ القيم الجوهرية للحكومة ستكون “الصدق والأمانة والشفافية والعدل والتسامح”.
وأضاف أنّ “حكومة الأمل المدنية” ستكون أول حكومة في تاريخ السودان تجمع بين حُسنيين؛ “تكنوقراط بحكم الناس من خلال وكالة خادميهم العلماء بناء على خبرتهم وخلفيّتهم التقنية، ولا حزبية بحيث لا ينتمي منتسبوها للأحزاب السياسية وستمثّل صوت الأغلبية الصامتة”.
وأكد إدريس أنّ حكومته ستكون من كفاءات وطنية مستقلة بلا محاصصات حزبية أو سياسية. وتعهّد بالصدق والنزاهة والعدل، والسعي لرفاهية الشعب، “عبر خطط استراتيجية وبرامج عمل قابلة للتنفيذ”. المحاصصة والاقتسام أجهضت كلّ هذه الآمال والوعود، وقبل أن تبدأ الحكومة عملها وجدت نفسها أسيرة الاسترضاء.
تعثّر تشكيل حكومة إدريس يقودنا للحيثيات والسيناريوهات ذاتها التي مرّت بها حكومة عبد الله حمدوك وقد تعثّرت هي الأخرى من قبل في تشكيل حكومة تكنوقراط، وللأسباب ذاتها التي تواجهها الآن حكومة إدريس؛ وهي مطالب الحركات المسلحة بالمحاصصة الحزبية والضغوط السياسية لتمرير الاقتسام والغنائم على الرغم من أنّ الحرب لم تضع أوزارها ولم تنتهِ بعد.
اجتهد إدريس كامل في تجنّب الفخ الذي وقع فيه حمدوك في تشكيل حكومته الجديدة لكنه لم يفلح، واصطدم بتمسّك أطراف مسار دارفور في اتفاق جوبا للسلام القوات المشتركة بشدّة بحقائب محدّدة، كانت تشغلها في الحكومة المحلولة من دون تغيير، وتجنّباً لصراع سياسي جديد السودان في غنى عنه؛ قنن إدريس المحاصصة باتفاق جديد، ففي 8 تموز 2025؛ توصّل رئيس الحكومة السودانية الجديدة والفصائل المسلحة المنضوية في ما يسمّى القوات المشتركة، التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع إلى اتفاق سياسي نهائي، يقضى باحتفاظها بـ6 حقائب وزارية محدّدة، بما في ذلك وزارتا المالية والمعادن في إطار تشكيل الحكومة المرتقبة، وفقاً لاتفاقية جوبا للسلام 2020.

حدث الاتفاق الجديد بإيعاز وتشجيع من القائد العامّ للجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان؛ الذي تدخّل على خطوط الأزمة من أجل استباق أيّ انفجار مرتقب ولا سيما مع تنامي لغة فضّ الشراكة، وهو التدخّل الذي ينظر إليه من زاوية أنّ الجيش هو المتحكّم والمسيطر والضابط لإيقاع العلاقات والمكوّنات داخل المشهد السياسي السوداني. وينظر إليه من زاوية أخرى بأنّ أساس الشراكة القائمة بين الجيش والحركات المسلّحة هي شراكة المحاصصة والاقتسام.
المراضاة التي تدخّل البرهان من أجل تمريرها وقضت على آمال تشكيل حكومة تكنوقراط مرضاة مفخّخة مؤقتة، تنهي أزمة تشكيل الحكومة الجديدة لكنها تبقي الابتزاز القائم على المحاصصة وهي مرضاة تفضي لتناقضات داخل تحالف الجيش والحركات المسلحة وبالتالي قد لا ترضى بعض الأطراف بطبيعة المحاصصة وبالتالي تخرج من التحالف وتستدير لمواجهة جديدة مع الجيش أو ربما الاستدارة لصف قوات الدعم السريع.
إنّ استجابة الجيش لمطالب الحركات المسلحة، لا تعني انتهاء الأزمة وملامح الصراع؛ ذلك أنّ الجيش قد يواجه اعتراضات من الكتلة الديمقراطية المنشّقة عن تحالف الحرية والتغيير، والتي تتحالف معه لكنها ترفض العودة إلى منطق المحاصصة. كما أنّ هناك مجموعات قبلية مسلحة، أبرزها قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل، تطالب بتمثيل سياسي ضمن الحكومة الجديدة.
وبالتالي ما يحدث في السودان الآن في طريق تشكيل الحكومة الجديدة ليس مجرّد صراع في تحالف البرهان والحركات المسلحة للحصول على حقائب وزارية معيّنة، لكنه صراع نفوذ وسيطرة يهدف إلى الإمساك بتلابيب المشهد السياسي في السودان والتحكّم في موارد السلطة والنفوذ مستقبلاً، وإذا أبقى البرهان على هذا الواقع فإنّ هذا سيعني بقاء الابتزاز والمحاصصة وإذا حاول تقليص وتقزيم دور هذه الحركات لن يستطيع حسم المواجهة منفرداً ضدّ قوات الدعم السريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى