العباس بن علي “ع”.. معين لا ينضب

العباس ابن أمير المؤمنين قد شب ونشأ في صحبة أزهد الخلق أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأخويه الحسن والحسين عليهما السلام فاكتسب فضيلة الزهد ببركة صحبتهم فإنّ الطباع تتأثر بالمصاحبة، وقيل: المرء يأخذ من دين صديقه وقد قيل: ولد الفقيه نصف فقيه، فأبو الفضل العباس أولاً كان من بيت خلقهم الله للآخرة لا للدنيا فهو بطبعه وجبلته يطلب ما خلق له ويجانب ما لم يخلق له فلا يجد لنعيم الدنيا ولا لزخارفها فائدة.
وأما عبادة العباس ابن أمير المؤمنين عليهما السلام فقد كانت بجميع أعضاءه فلسانه عبد الله بالذكر والشكر والدعاء والاستغفار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاية إلى إمامه وأخيه الحسين عليه السلام، وأما بجبهته فقد أثر به السجود وأما عينه فقد نبت بها السهم في جهاد دون إمامه وأما يداه فقطعتا من الزند بعد أن عبد بها الله أنواعاً من العبادة جاهد بها الأشرار ورفعها في الأذكار وبسطها في العطاء والسجود والركوع وغير ذلك، وأما رأسه فقد فضخت هامته بعامود الحديد وأما رجلاه فقد قام بها بكل عبادة وسعى بها إلى كل خير ومشى بها إلى الجهاد وحمل الماء لعطاشى آل محمد وآخر عبادة عبد بها أنه جعل يفحص فيها حين سقط على شاطئ العلقمي مفضوخ الهامة مقطوع اليدين، وأما وجهه الكريم فقد سالت عليه الدماء في سبيل الله وسال عليه مخ اليافوخ المفضوخ، وأما صدره الشريف فقد وزعته الأسنة والسيوف والنبال المحددة، وهكذا سبيل سائر أعضائه حتى جاء في وصفه أنه إذا جمل منه جانب سقط الآخر لكثرة ضرب السيوف وطعن الرماح.
وكان العباس ابن أمير المؤمنين نافذ البصيرة صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله كما وصفه الإمام الصادق عليه السلام بقوله: (أشهد أنك لم تهن ولم تنكل وأشهد أنك مضيت على بصيرة من دينك مقتدياً بالصالحين ومتبعاً للنبيين).
وقد أبّن سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين عليه السلام أخاهُ أبا الفَضْلِ العَبّاسَ حين استشهاده فأتاه كالصقر إذا انحدر على فريسة ففرقهم يميناً وشمالا بعد أنْ قتل من المعروفين سبعين رجلاً فجاء نحو العباس عليه السلام وهو ينادي وا أخاه وا عباساه الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي ثم انحنى عليه ليحمله ففتح العباس عينيه فرأى أخاه الحسين عليه السلام يريد أن يحمله فقال له: إلى أين تريد يا أخي؟ فقال إلى الخيمة، فقال يا أخي بحق جدك رسول الله عليك أن لا تحملني دعني في مكاني فقال عليه السلام لماذا؟ قال لأني مستحٍ من ابنتك سكينة وقد وعدتها بالماء ولم أتها به فوضعه في مكانه ورجع إلى الخيمة يكفكف دموعه بكمه، فلما رأوه مقبلاً أتت إليه أبنته سكينة ولزمت عنان جواده، وقالت: يا أبتاه هل لك علم بعمي العباس عليه السلام أراه أبطأ وقد وعدني بالماء وليس له عادة أن يخلف وعده، فهل شرب ماءاً وبل غليله ونسى ما وراءه أم هو يجاهد الأعداء؟ فعندها بكى الحسين عليه السلام وقال: يا ابنتاه إن عمك العباس قد قتل وبلغت روحه الجنان فلما سمعت زينب عليها السلام صرخت ونادت واأخاه واعباساه واقلة ناصراه واضيعتاه بعدك، فقال لها الحسين عليه السلام إي والله واضيعتاه بعده وانقطاع ظهراه فجعلت النساء يبكين ويندبن عليه وبكى الحسين عليه السلام معهن. وكان للعباس عليه السلام من الأولاد خمسة عبيد الله والفضل والحسن والقاسم وبِنْتٌ، وانحصر عقب العباس ابن أمير المؤمنين في ولده عبيد الله وزاد بعض العلماء العقب في الحسن بن العباس، وقد استشهد بعض أولاد العباس عليه السلام في واقعة الطف.



