فن الحوار والإقناع عند الإمام الرضا (ع)

أحمد عبد زيد الجبوري..
في رحاب التأريخ الإسلامي، تبرز شخصيات فذة تركت بصمات عميقة في مختلف جوانب الحياة، سواء كانت فكرية أو روحية أو اجتماعية، ومن بين هؤلاء النجوم الساطعة، يتربع الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمكانة مرموقة، ليس فقط كإمام معصوم وهادٍ للأمة، بل أيضا كقامة فكرية وعلمية موسوعية، وكمحاور بارع امتلك مفاتيح القلوب والعقول، لقد تجاوز تأثير الإمام (عليه السلام) حدود عصره، ليشع نوره هاديا للأجيال القادمة.
إن الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يستدعي إلى الأذهان صورة العالم الجليل، والفقيه المتبحر، والإمام الملهم، فلم يكن الإمام (عليه السلام) مجرد متحدث بليغ، بل كان يمتلك قدرة فريدة على التأثير في محاوريه، فكان (عليه السلام) يعرف كيف يخاطب العقول بمنطق سديد، وكيف يلامس القلوب بصدق النية، وكيف يرتقي بالنفوس نحو آفاق أرحب من المعرفة والإيمان، إن دراسة منهجه (عليه السلام) في الحوار تمثل نافذة قيمة نتعلم من خلالها فن الحوار الفعال، وأسس الإقناع.
فهم الطبيعة البشرية
لم يكن الإمام الرضا (عليه السلام) في حواراته يعتمد على سطحية الخطاب أو قوة الصوت، بل كان ينطلق من فهم جوهري لطبيعة الكائن البشري وتعقيداته النفسية والعقلية، لقد أدرك (عليه السلام) أن الإقناع الحقيقي لا ينبت إلا في تربة خِصْبة من الفهم المتبادل والاحترام العميق لخصوصية المتلقي، إن الغوص في الأسس النفسية التي ارتكز عليها منهج الإمام (عليه السلام) يكشف عن بعد نظر عميق وحكمة بالغة في التعامل مع الآخر.
مناظرة الإمام الرضا (عليه السلام) مع الجاثليق
مناظرة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) مع الجاثليق، وهو لقب كان يطلق على رأس الأساقفة المسيحيين، نموذج رفيع في فن الحوار والإقناع، تجلت فيها قدرة الإمام (عليه السلام) على تفنيد الآراء المخالفة بأسلوب منطقي رصين.
بدأت المناظرة بتأكيد الإمام الرضا (عليه السلام) على إقراره بنبوة عيسى وكتابه حيث قال: (أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه، وما بشر به أمته، وأقرت به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه، ولم يبشر به أمته!).
احتج الجاثليق بضرورة شاهدين عدلين من غير أهل ملة الإمام (عليه السلام) لإثبات نبوة محمد (صلى الله عليه وآله)، فاستشهد الإمام (عليه السلام) بيوحنا الديلمي، وهو من أحب الناس إلى المسيح (عليه السلام)، وأقسم عليه هل بشر يوحنا بدين محمد العربي ونبوته وأخبر بذلك الحواريين الذين آمنوا به؟ أقر الجاثليق بتبشير يوحنا بنبوة رجل وأهل بيته ووصيه، لكنه لم يلخص متى يكون ذلك، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم، قال الإمام (عليه السلام): فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟ قال الجاثليق: أمر سديد، قال الإمام (عليه السلام) لفسطاس الرومي كيف يكون حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟ قال ما أحفظني له، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال الإمام (عليه السلام) ألست تقرأ الإنجيل؟ قال بلى لعمري، قال الإمام (عليه السلام) فخذ علي السِّفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي! ثم قرأ السفر الثالث حتى بلغ ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وقف ثم قال الإمام (عليه السلام): يا نصراني أني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟ قال الجاثليق نعم، ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال الإمام (عليه السلام) ما تقول يا نصراني؟ هذا قول عيسى بن مريم، فإن كذبت ما نطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى (عليهما السلام)، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل، لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك، قال الجاثليق لا أنكر ما قد بان لي من الإنجيل، وأني لمقر به.
ولإثبات بشرية عيسى (عليه السلام)، استدل الإمام (عليه السلام) بأن عيسى (عليه السلام) كان يُحيي الموتى بإذن الله، لكن ذلك لا يستلزم ألوهيته، مستشهدا بالنبيين اليسع وحزقيل (عليهما السلام) اللذين صنعا مثل معجزاته ولم تتخذهما أمتهما أربابا، كما أشار الإمام (عليه السلام) إلى ضعف عيسى (عليه السلام) وقلة صيامه وصلاته، قال الجاثليق أفسدتَ والله علمك، وضعفت أمرك، وما كنتُ ظننتُ إلا أنك أعلم أهل الإسلام، قال الإمام (عليه السلام) وكيف ذلك؟! قال الجاثليق من قولك أن عيسى كان ضعيفا، قليل الصيام والصلاة، وما أفطر عيسى يوما قط، وما نام بليل قط، وما زال صائم الدهر قائم الليل، قال الإمام (عليه السلام) فلمن كان يصوم ويصلي؟ فخرس الجاثليق وانقطع.



