وجوه المنافقين

المؤمن ذو وجه واحد وذو لسان واحد، فهو يبطن الإيمان، ويظهر الإيمان وليس له وجهان، ولا لسانان، أمّا المنافق، فله أكثر من وجه، وأكثر من لسان، يلاقي المؤمنين بوجه، ويلاقي الكفّار بوجه آخر. يتحدّث مع المؤمنين بلغة الإيمان، ويتحدّث مع الكفّار والمنافقين بلغة الكفر، يظهر الخير للمؤمنين ويتآمر في الخفاء لإلحاق الأذى بهم.
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) إذا التقى هؤلاء المنافقون بهم واجتمعوا معهم أخذوا يكذبون وينافقون و(قالوا: آمنّا) أي: أنّنا تركنا معسكر الكفر وانتقلنا إلى معسكر الإيمان، أو إنّنا آمنّا بقلوبنا إيماناً خالصاً لا يشوبه شكٌّ ولا ريب، وصدّقنا بما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) كما صدّقتم أنتم، ولكن عندما يختلون بشياطينهم ويأمنون انكشاف أمرهم يُظهرون كوامن قلوبهم، ويُطَمئنون أُولئك الشياطين بأنّهم معهم وعلى خطاهم ودينهم.
أجل: (قالوا: إنّا معكم).
أي إنّنا ثابتون على خطّكم، ولم نتحوّل منه إلى خطّ الإيمان، كما تقتضيه (الجملة الاسمية) فإنّها تفيد الثبات والاستمرار.. (وقد ذكروا نظير ذلك في قوله تعالى: (قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ) حيث ذكروا أن عدوله (عليه السلام) إلى الجملة الاسمية في الجواب يفيد الثبات والاستمرار).
ولعلّ التأكيد بـ(إنّ) في هذه الجملة (حيث أنّ كلمة (إنّا) مركبة من (إنّ) المؤكّدة وضمير الجمع (نا)، ثم حذفت النون الثانية، من أجل التخفيف، فصار (إنّا).
نابع من أن المنافقين يخسرون ـ عادة ـ ثقة الطرفين، أمّا المؤمنون فلأنّهم يشاهدون آثار النفاق فيهم، وأمّا الشياطين فلأنّهم كثيراً ما يشكّكون في حقيقة موقف المنافقين، فإنّ الإنسان اللامبدئي يشكّ فيه الجميع حتى أمثاله؛ إذ ما دام هذا الإنسان ينافق مع الآخرين، فربما ينافق مع زملائه أيضاً، ولذا ورد في الحديث الشريف (من نمّ لك نم عليك).
فإن الطبيعة الإنسانية طبيعة واحدة، والإنسان إذا خان في مورد فمن السهل عليه أن يخون في مورد آخر، بينما الإنسان الأمين الصادق سوف يكسب ثقة الجميع حتى أعدائه، لأن طبيعته الأمينة سوف تملي عليه أن يلتزم الأمانة حتى مع أعدائه، وحيث إن المنافقين يشعرون بذلك ويدركون شكّ شياطينهم بهم؛ لذا يضطرون إلى التأكيد لهم بأنّهم ثابتون على خطّهم ومنهجهم في الحياة.
وقد كان وراء المنافقين عناصر ماكرة تحرّكهم من وراء السِّتار، وتخطّط لضرب الإسلام والمسلمين بواسطتهم، وربما أُطلق على هؤلاء كلمة (الشياطين) لأنّ مجموعة من الصفات تمثّلت فيهم، هي من أبرز صفات الشياطين:
1 ـ فالشيطان يتّصف بصفة (التخطيط الشرير) لتحقيق أهدافه، وهؤلاء كانوا يخطّطون دائماً لضرب الإسلام والمسلمين.
2 ـ والشيطان يتّصف بصفة (التحريك الشرّير) عبر إلقاءاته المستمرة في صدور الناس.
قال الله سبحانه وتعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ).
وقال سبحانه: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وهؤلاء الشياطين كان دأبهم تحريك المنافقين بشكل مستمر لتحقيق أهدافهم اللامشروعة.
3 ـ الشيطان: لا يظهر، وإنّما يختفي وراء الكواليس وينفذ مؤامراته الشرّيرة في الظلام.
يقول سبحانه وتعالى: ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ).
وقد اتّصف هؤلاء الشياطين بذلك أيضاً.



