ثقافة الاعتراض وأقصر الطرق لاستعادة الحقوق

محمد علي جواد تقي..
من حق المواطن الاعتراض على تجاهل الدولة حقوقه المشروعة واستعادتها بالطرق السلمية، وبما أن معظم مظاهر الاعتراض في الشوارع منشأها سوء الإدارة والفشل الاقتصادي، فإن شرائح دون أخرى تتعرض للغبن والتعسف بسبب تدني الأجور، وارتفاع الاسعار، والبطالة، وتراجع مستوى الخدمات، فبعض الموظفين يرون أنهم مهمشون دون أقرانهم في مسألة “سُلّم الرواتب”، كما يرى بعض خريجي الجامعات أنهم كذلك في مسألة توفير فرص عمل.
هذه المشاعر تعبئ أصحابها بشكل ذاتي للتظاهر والاعتصام وحتى الإضراب عن العمل للضغط على الحكومة لتلبية المطالب المشروعة، وهو أمر حسنٌ، وحق مشروع ينصّ عليه الدستور العراقي ومعظم دساتير العالم على قاعدة احترام حقوق الانسان، وفي بلد مثل العراق، هو بالاساس مسكون بالأزمات والمشاعر السلبية المتراكمة منذ عقود من الزمن، نحتاج الى قدر كبير من الذكاء ورباطة الجأش لتقديم مشهد “معارضاتي” يعتمد المنهج الديمقراطي بأن يكسب الانسان حقوقه وحريته وفي نفس الوقت يحترم فيه حقوق وحريات الآخرين.
فمن أسرع وسائل الاعتراض تأثيراً في العالم؛ الإضراب عن العمل، كما نلاحظه في بعض الدول الاوروبية عندما تعلن مصلحة القطارات –مثلاً- إضراباً عن العمل بسبب تدني الأجور، وكذا الحال نلاحظه في شركات الطيران، او عمال المناجم والمصانع، بيد أن هذه الاضرابات ناظرة الى مصالح عامة أفراد المجتمع قبل تحويلها الى وسيلة ضغط على الحكومة لتلبية مطالب العمال، حتى بالنسبة لوسائل النقل العام التي تُعد عصب حياة المواطنين، لاسيما في الدول الاوروبية، فإن الاضراب لا يستمر اكثر من يوم او يومين، وفي المانيا –مثلاً- أن نقابة موظفي الخدمات العامة، وموظفي الخدمات الارضية وأمن الطيران، دعت في التاسع من شهر آذار المنصرم الى إضراب عن العمل لمدة 24ساعة فقط للمطالبة بزيادة الاجور، واللافت بالنسبة الينا، أن النقابة تعلن عن الاضراب لعامة الناس قبل أيام من موعد الإضراب، بما نفهم منه إعطاء فرصة لاصحاب المواعيد والاعمال بأن يُجدْوِلُوا أعمالهم دون التأثر بالاضراب باليوم المحدد.
هذه الثقافة “الاعتراضية” هي التي تستهدف الحكومة دون افراد المجتمع، من التلاميذ، والمرضى، والموظفين، واصحاب المهن الحُرة، فالنقابات بالعالم تفكر بدقّة أن تكون الاضرابات مستهدفة مصالح الحكومة وسمعة الوزير او حتى رئيس الوزراء، وليس مصالح عامة الناس، حتى مظاهر التصعيد الأمني بين المتظاهرين وقوات الشرطة، كما حصل في فرنسا بخصوص رفع سن التقاعد مما أجبر كبار السن على الاستمرار في العمل دون زيادة في الاجور، فإن الاضطرابات لن تؤدي الى شلل تام في العاصمة باريس –مثلاً- ولا أن تحرم التلاميذ الصغار من الالتحاق بمدارسهم والطلاب الى جامعاتهم، فهي مطالبات محدودة قابلة للتنفيذ او المساومة وليست “ثورة” لقلب النظام السياسي برمته!
لا نخوض كثيراً في مشاهد الاعتراض في العراق، فالتفاصيل تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي على مدار الساعة، إنما المهم بالنسبة لنا جميعاً أن يأخذ الاعتراض صبغة جماعية يعبر عن هموم المواطن العراقي كون الازمات الموجودة عندنا مترابطة على شكل سلسلة حلقات متصلة، فالغبن والظلم بحق المعلم والشريحة التربوية يتصل بعجز في السياسة التعليمية بشكل عام بالعراق، شاملة للمناهج، والابنية، وتربية الكادر على أحدث الطرق العلمية، والعودة الى قواعد الدين والأخلاق، ثم علاقة العملية التربوية بالمشكلة الاجتماعية بمحورية الأسرة التي تقدم أبناءها الى المدارس، ولذا نسمع الجدل المحتدم والمتواصل عن مهمة تربية الطالب المتأرجحة بين المعلم والأسرة، وكلٌ يلقي بالمسؤولية على الآخر. وهكذا الأمر بالنسبة لسوء الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء، والصحة.
بلى؛ من حق المعلم التظاهر لتحسين مستواه المعيشي، ومن حقه ايضاً أن يجد التضامن والتفاعل من سائر افراد المجتمع، وكذا الحال بالنسبة للطالب والشاب الباحث عن عمل كريم، فلا فائدة من بقائه وحيداً في الساحة فيما الآخرون يتفرجون عليه ذهاباً وإياباً يواصلون حياتهم الطبيعية، وهو ما حصل لدى اندلاع الاحتجاجات الطلابية في تشرين الاول عام 2019، ورغم محاولات توسيع نطاق المشاركة، بيد أن معالم الساحة الاحتجاجية ظلّت شبابية بالدرجة الاولى، فيما بقيت شريحة الموظفين والكسبة وتجار السوق بعيدين الى حد ما عن الساحة آنذاك.
ولمن يقول بصعوبة او استحالة تعبئة النسبة الأكبر من الشعب للتظاهر والاعتراض لإصلاح الأمور، فإن وجود شريحة واحدة وجمهور محدود في الساحة له مطالب كبيرة وعظيمة مثل تحقيق العدل، لهو أصعب بكثير، ولذا نجد معظم الحلول تأتي للترضية وتهدئة النفوس لا أكثر، وليعود كل شيء الى سابق عهده.



