التشكيلي محمد كريم.. البورتريه وثيقة جمالية لوجوه الشخصيات العراقية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد رحيم يوسف أن شغف الفنان التشكيلي “محمد كريم نهاية” يشكل الدافع الكبير لتشكل تجربته الفنية وتطورها باتجاه اختطاط مسار متميز بين أبناء جيله من الفنانين التشكيليين ، وعلى الرغم من انه لم يقم سوى ثلاثة معارض شخصية ، الا ان عشرات المشاركات التي قام بها في المعارض الجماعية ، أدت الى التعريف به على اكمل وجه ، ومع ذلك مازال يخوض تجربته المتميزة عبر مغامرة التعامل مع اللون التي يجيدها بمقدرة فائقة ، بإمكانها ان تشير اليه دون أدنى لبس ، وهو يفرض اسمه ضمن خريطة التشكيل العراقي المعاصر .
وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”:”على الرغم من صخب الحياة وحركيتها المستمرة ، يدأب البعض على مراوغة هذا الصخب عبر ممارسة لذته في عمل ما مستلهما هذا الصخب ، بشكل او بآخر وذلك لدعم التجربة التي يمارسها في مجالات عديدة ومنها الفن التشكيلي ، الصخب الذي يتحول الى ما يماثله من ضربات لونية انفعالية عبر فرشاة تتحرك بصخب لتعكس انفعال الفنان لحظتها ، او العكس من ذلك بتحويله الى ضربات لونية هادئة وشفافة بتكوينات تعكس فتنة اللون وطراوته “.
وأضاف: أن”هذا العالم المليء بمنجزه المدهش والصاخب إبداعيا وسط الهدوء الذي يعيش فيه في مشغله الصغير وسط ضجيج العالم من حوله في منطقة الكرادة ، فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي ، دخل الى عالم الفن التشكيلي وهو صبي ، ليتلقى اول دروسه في هذا العالم الذي مارس سحره عليه ، واستمر طوال السنوات التي مرت ، وحتى وقتنا الحالي ، وهو يدأب على تطوير ادواته واسلوبيته التي تميزه ، عبر سطوح تصويرية لا تنتمي الا اليه ، سواء عبر الدراسة الأكاديمية أو من خلال الاوساط التي يعيش فيها ، وهو يبحث عن مخفياتها التي تحمل دلالات ورموزا ، ليجسدها فتتحول الى داعم جمالي في أعماله الفنية”.
وتابع :”إن تجربة الفنان محمد كريم ، تمتلك خصوصيتها أدائيا ، وذلك عبر إصراره ومطاولته على التجريب ، وصولا الى تميز تجربته المتواصلة منذ سنوات ليست بالقليلة ، التجربة التي أخذت اكثر من مسار نستطيع تلمسه وتحديد اختلافه مع مجايليه ، كلون ولغة بصرية وتكنيك ، ولعل تلك المسارات تنوعت الى ثلاثة اتجاهات واضحة المعالم ، تختلف أدائيا ، لكن ثمة وشائج تربط ما بينها بخيوط سرية ، لا يمكن أن يغفل عنها المتابع لتجربته عبر تأمل دقيق لها ، وذلك من أجل اكتشاف مواطن تجربته الفنية المحملة برؤى جمالية عميقة يبثها في خطابه البصري المتميز “.
وواصل :”عبر مشروعه ( صناع الجمال صناع الحياة ) يعمد الفنان محمد كريم ، الى تحويل فن البورتريه الى وثيقة جمالية يستلهم فيها وجوه العديد من الشخصيات العراقية الفاعلة في مختلف المجالات الابداعية ، بمبادرة شخصية يعمل عليها بصمت وهدوء كعادته ضمن مشروعه الفني الجمالي ، ولكن بطريقة مختلفة أدائيا ، لدرجة تجعله مختلفا كليا في رسمه ، لان الطريقة التي يتعامل بها مع الوجوه فيها الكثير من المغايرة ، فهو يعمد إلى الايحاء الى المتلقي بان السطح يتكون من طبقتين منفصلتين ، عبر إيهامه بذلك عند تنفيذه الدقيق، لتصبح الطبقة الاولى هي الوجه المنفذ كما يراه هو ، حيث إنه يسبغ عليه الكثير من روحيته وهو يتعامل مع الوجه جماليا ، الوجه الذي ينفذ بواقعية هي الاقرب للتعبيرية ، مع طبقة أخرى وهمية كما أشرت ، وهي عبارة عن ضربات لونية تجريدية صِرْفة تؤدي الى تركيز المتلقي باتجاه الوجه المرسوم لا التشتت ، وفي بؤرة السطح ثمة دائرة وهمية تركز على ملمح او مجموعة ملامح يركزها وسطها ، لتمنح البورتريه نوعا من الحركية ، بعيدا عن جمود الصورة الفوتوغرافية المأخوذ عنها العمل”.
وأوضح :” أنه بإمكاننا ان نؤشر بان هذا هو المسار الثاني لتجربته الآخذة بالتطور يوما بعد آخر ، ولا يقف مع فن البورتريه عند هذا الحد ، بل انه يعمد في مجموعة اخرى من السطوح الى تشخيص عددا آخر من الشخصيات العراقية بواقعية ، متعمدا الدمج بين الشخصية وما خلفها انتماءً ، وذلك بجعل خلفيات تلك السطوح مشاهد بغدادية صرفة ، لكن اللافت انه يحتفظ بهذه الاعمال الاخيرة لذاته ، وبذلك تبقى هذه التجربة أسيرة مشغله دون ان يتم الاطلاع عليها الا ضمن نطاق ضيق من الاصدقاء ، أو من زائري مشغله”.
وأشار الى ان” عزلة الفنان الطوعية ، تدفع باتجاه تطوير آليات عمله حتما ، لكنها من جهة اخرى تدفع باتجاه شعوره بالخيبة ، ربما بسبب الاخر الذي يخوض معه تجارب تؤدي به نحو الاغتراب في حالات معينة ، ليدفع به للشعور بالهزيمة ، وهي هزيمة معنوية حتما ، تدفعه للتعبير عن رفضها عبر آليات عمله التي ينتهجها ، هذا الشعور دفع للفنان محمد كريم الى انتاج سلسلة من الاعمال التجريدية التعبيرية تحت عنوان ( يوميات رجل مهزوم ) ، وهي اعمال يعمد فيها الى ممارسة لذة المغامرة اللونية التي يجيدها ، وكذلك تشكيل الخطوط مع وجود مشخصات غير مرئية إلا بالتدقيق تعمدا ، وتأكيدا لرؤيته تماهيا مع العنوان ، وأخيرا فإن المتأمل لتجربته ، بإمكانه النظر اليها عبر اكثر من زاوية باتجاه فهم أوسع لتجربته المدهشة”.



