ميدان الاهتمام الثقافي عند الإمام الخامنئي «دام ظله»


د.محمد علي آذرشب
الجزء الثاني
المشكلة الطائفية بين المسلمين عائق كبير أمام التفاهم والتعاون والتعاضد، وطالما جرّت إلى صراعات دموية، وطالما فتحت ثغرات لينفذ منها الأعداء المتربّصون,والإمام القائد الخامنئي (حفظه الله) اتجه منذ وقت مبكر في حياته إلى مدّ جسور الحوار والتفاهم والانفتاح بين السنّة والشيعة,فهو حين كان منفياً إلى مناطق في جنوب إيران يسكنها السنة والشيعة عمل على إشاعة روح التفاهم واللقاء والتعارف بين الفريقين من أبناء الأمة الواحدة, وهو أوّل من أسس أسبوع الوحدة وهو في منفاه أيام الشاه,مما جعل علماء السنّة في سيستان وبلوشستان يجلّونه ويحترمونه ويقدّرونه ويقيمون معه صداقات امتدت إلى يومنا هذا,ثم هو بعد أن تولّى القيادة بادر إلى تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بغية إقامة حوار علمي بين المذاهب الإسلامية والبحث عن المشتركات الهائلة بينها، لتثبيت قاعدة التعاون في المشتركات والإعراض عن الانشغال في الاختلافات.
وشجّع السيد القائد “حفظه الله” على مدّ جسور التواصل مع رجال الدين المسيحي، لإعطائهم الصورة الواضحة عن موقف الإسلام من الأديان الإلهية الأخرى، ومكانة السيد المسيح وأمّه في الإسلام، وضرورة الالتقاء على ساحة الفكر الإلهي وهو يواجه موجة الفكر المادّي الملحد. ووجّه رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية لتأخذ على عاتقها مسؤولية وضع منهج للحوار الإسلامي – المسيحي، ونهضت هذه الرابطة حتى الآن بمشاريع مهمة لهذا الحوار مع مختلف الطوائف المسيحية, وللقائد حفظه الله مواقف مدهشة من الملحدين الذين سجنوا معه أيام الشاه، فقد كان هؤلاء ومعظمهم من الشيوعيين لا يطيقون رؤية عالم ديني معهم. ولكنه كان يلاطفهم ويعاملهم بالتي هي أحسن، وله قصص مع هؤلاء,والغريب أن السيد الامام القائد الخامنئي (حفظه الله) كان يبدي لهم كلّ انفتاح، ولكنهم كانوا يصرّون على عدم الخروج من قوالبهم الفكرية والنفسيّة، بل كان بعضهم يصرّ على جفاء السيد حفظه الله, وقال أحد هؤلاء المكابرين يوماً له: ما رأيت رجل دين مثلك في انفتاحه وسعة صدره، فأجابه: وأنا ما رأيت مثلك في تعصّبه وانغلاقه وتحجّره!
طالما اتّهم علماء الدين بأنهم منغلقون تجاه الفنون، وليست لهم نظرة واضحة في الفن,وبينما السيد الامام القائد الخامنئي (حفظه الله)معروف في اهتمامه بالفنون ويلتقي دائماً بالفنانين من الموسيقيين والمسرحيين والسينمائيين ممثلين ومخرجين، ويتجاذب معم أطراف الحديث في تخصصهم، ويبدي أمامهم آراءه في الفنّ والتي تدلّ على علم وفهم وذوق لطبيعة الفنّ، ويشجّع على دفع المسيرة الفنية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الطريق الصحيح لتربية الذوق الفني السليم لدى الشباب، وله أحاديث ونظريات مطبوعة في هذا الحقل,وانفتاح علماء الدين على الساحة الأدبية يتوقف على ذوق العالم وقدرة استيعابه للغة الأدب التي تختلف كثيراً عن اللغة العلمية, والسيد الخامنئي حفظه الله من المشهورين في الانفتاح على الساحة الأدبية بشكل واسع,فهو من كبار الناقدين للأدب، وله ذوق نقدي مرهف، يشهد له في ذلك كبار الشعراء والأدباء المعاصرين الإيرانيين. منذ أيام شبابه كان يتردّد على الأندية الأدبية، وينشد الشعر، ويبدي رأيه في الشعراء القدماء والمعاصرين، وله دراسات مهمة في شعر حافظ الشيرازي وغيره من عظماء الشعراء الإيرانيين, وكما أنّ نثره في الكتابة له موسيقاه الخاص ونكهته التي يعرفها من قرأ له، وحين يترجم من العربية إلى الفارسية يقدّم النصّ الفارسي بأبهج صورة وأروع ديباجة حتى يخيل للقارئ أن النص كتب بالفارسية أصلاً,وأما قصته مع الأدب العربي القديم والحديث فطويلة، قرأ لأمراء الشعر العربي في كل العصور، وكتب وجهات نظر نقدية بشأن ما قرأ، وأُعجب من المعاصرين بأحمد شوقي ومحمد مهدي الجواهري أكثر من غيرهما.
«أعتقد أني قرأت كلّ الروايات التي ترجمت من الآداب العالمية إلى اللغة الفارسية».. هكذا يقول السيد الخامنئي “حفظه الله” بثقة مبدياً إعجابه بالروائيين الأوربيين والأمريكيين معتقداً أن الرواية هي ذروة ما يستطيع أن يقدّمه الإنسان في مجال الإبداع الأدبي, وحركة ترجمة الروايات إلى الفارسية نشطة وسريعة، لكنّ السيد الخامنئي “حفظه الله” لم يتخلف عن هذه الحركة، وواكب كلّ ما صدر في الساحة من ترجمات لروايات عالمية، واحتفظ في ذاكرته بأسماء الروائيين، ومحور أحداث رواياتهم، ويتحدث مع الناشرين في الآداب العالمية، فيفاجئهم السيد الخامنئي “حفظه الله” بمعلومات عن الروايات العالمية لا قِبَل لهم بها,وهذه ظاهرة مشهودة في جولاته الطويلة التي يقوم بها في معرض الكتاب السنوي بطهران.
«طالما تمنيت أني ولدت في بلد عربي كي أكون متقناً للغة العربية كما يتقنها العربي» هذا الحبّ للغة العربيّة جعل السيد الخامنئي حفظه الله منشداً إلى العرب والعالم العربي، ومتفاعلاً مع قضاياه الفكرية والسياسية منذ نعومة أظفاره,ولقد كانت له منذ شبابه صداقات مع شخصيات عربيّة، ثم اتسعت حين أصبح رئيساً للجمهورية، وتواصلت بعد توليه مسؤولية القيادة، ويرى أن العالم العربي يشكل العمق الاستراتيجي لإيران، كما تشكل إيران العمق الاستراتيجي للعرب,والعرب اقترنوا في ذاكرته بالشهامة والرجولة والمواقف الكريمة، ولذلك فإن علاقاته تتوطّد بسرعة مع أية شخصية عربية تتحلى بهذه الخصال. فقد كان منشدّاً في شبابه إلى عبد الناصر، لأنه كان يطرب لصوت العزّة المنطلق في خطبه، ثم أصبح من المعجبين بالرئيس الأسد لمواقفه الكريمة من القضايا المصيرية، وكلمة التأبين التي وجهها بمناسبة وفاة الرئيس الراحل تدلّ على ما كان يحمله من مشاعر تجاهه,ثم هو يتألم كثيراً ويحزن كثيراً حين يرى موقفاً ضعيفاً متخاذلاً من شخصية عربية، وكأنه لا يريد لعربي إلاّ أن يكون في ذروة العزّة والمجد، لأن العرب كما يقول إذا عزّوا عزّت كل الأمة الإسلامية,وخلافاً لما يشاع، فإن القيادة الإسلامية كانت دائماً وراء انفتاح إيران على العالم العربي، وكانت تساند كلّ خطوة لإقامة علاقات وديّة مع البلدان العربية ومدّ جسور الثقة معها، ويعتقد أن إصرار القوى المتجبّرة على فصل إيران عن العالم العربي، يدلّ على أهمية اللقاء العربي في استئناف الحركة الحضارية لأمتنا.
ويرى الامام القائد السيد علي الخامنئي (حفظه الله) أن الغربيين متعطشون لسماع ما يروي ظمأهم الروحي وفراغهم العقائدي، ولذلك يشجّع على إرسال الدعاة وفتح المراكز الإسلامية في الغرب من أجل تقديم المشروع الإسلامي الذي يلبي حاجات الإنسان الماديّة والمعنوية. ويرى أننا مقصرون في تقديم الخطاب الإسلامي المتناسب مع الذهنية الغربية، ولابدّ من السعي لفهم الغرب ومعرفة ما يدور فيه، وما يكتب عن الإسلام هناك، لنستطيع أن نقدّم خطابنا الإسلامي بحكمة وبدراية، وإلاّ فإن أحاديثنا وكتاباتنا لا تجد لها صدى ولا تأثيراً, هذا بشأن الجانب الشعبي من الغرب، أما المؤسسات السياسية فيعتقد السيد القائد “حفظه الله” أنّ الدوائر السياسية في الغرب لا تحاور إلا القويّ، ولا تعترف إلا بالقويّ.. من هنا إذا أراد العالم الإسلامي أن يكون طرفاً في الحوار مع الغرب السياسي فلابدّ له أن يكون أولاً قوياً في علومه ومعارفه واقتصاده وحركته الحضارية وسياسته وتماسكه الداخلي، وإلاّ فإن الغرب لا يعيره أي اهتمام، ولا ينظر إليه بندّية بل بنظرة احتقار واستعلاء. ولعلّ الظروف الأخيرة التي مرّت على العالم الإسلامي أثبتت صواب هذه النظرة.
في المجتمعات الإسلامية بعض العادات والتقاليد السيئة التي اتخذت طابعاً دينياً ولكنها لا تمتّ إلى الدين بصلة، وغالباً ما يحذّر المصلحون من مسّها كي لا تخدش مشاعر الناس,لكنّ السيد القائد حفظه الله وجد أن تطهير الدين من الشوائب ضرورة هامة لتصحيح صورة الإسلام أمام الآخر. من هنا أصدر فتواه بمنع كل المظاهر التي تسيء إلى الإسلام وإلى العقيدة الإسلامية الناصعة، وخاصة في أيام ذكر الحسين بن علي “ع”.
عالم (الشباب) له خصائصه التي قلّما يتفهّمها (الشيوخ)، ولذلك تحصل غالباً الجفوة بين الجيلين, والسيد الخامنئي حفظه الله كان منذ بدايات عمله الإسلامي مهتماً بالشباب، ومهتماً بصياغة خطابه ليكون متناسباً مع الشباب، ومهتماً بالقضايا الفكرية والاجتماعية التي تحيط بالشباب. واستمر هذا التوجّه عنده حتى يومنا هذا,ورغم كلّ أعماله ومسؤولياته يحرص على أن يلتقي بالشباب في مكتبه وفي الجامعة ويحاورهم ويجيب على أسئلتهم في جلسات منفتحة، ويقول دائماً: «إنني أشعر بالنشاط والحيوية حين ألتقي بالشباب», هذه باختصار بعض ملامح شخصية السيد القائد الخامنئي “حفظه الله” في انفتاحه الواعي الأصيل، وثمّة جوانب أهم في هذا القائد لسنا بصدد الحديث عنها وأهمها: الفقاهة والعمق الاجتهادي، التقوى والزهد والخلق الكريم، والحكمة والتدبير والتعقّل والاتزان في اتخاذ القرار .



