وراثة الأرض في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة

محمد عبد الجبار الشبوط
نقرأ في سورة الزمر الآية التالية: “وَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثْنَا الأَرْضَ، نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ”.
تحكي هذه الآية قول المتقين الذين أُدخلوا الجنة يوم القيامة. وقد حمد هؤلاء الله سبحانه وتعالى الذي صدقهم وعده. وقد تضمن وعده أمرين: وراثة الأرض، ودخول الجنة.
وذكر الأرض في هذه الجملة قد يثير سؤالا في ذهن القارئ وهو: عن أية أرض يتحدث القرآن، هل هي ارض الدنيا، ام هي ارض الجنة؟.
صاحب الميزان يقول أنها ارض الجنة حيث قال: “قوله: «وأورثنا الأرض» المراد بالأرض – على ما قالوا – أرض الجنة و هي التي عليها الاستقرار فيها”. وفسر قوله تعالى: «نتبوأ من الجنة حيث نشاء» بأنه “بيان لإيراثهم الأرض، و تبديل ضمير الأرض بالجنة للإشارة إلى أنها المراد بالأرض.”
لكنه أردف بعد ذلك بالقول: “قيل: المراد بالأرض هي أرض الدنيا وهو سخيف إلا أن يوجه بأن الجنة هي عقبى هذه الدار قال تعالى: «أولئك لهم عقبى الدار:».
ولا يُرى أن ذلك قول سخيف، لان المتقين كانوا يتحدثون عن وعدين كما قلنا، وهما وراثة الأرض في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة وهذا شكر تام لله سبحانه وتعالى على تحقيق الأمرين.
ووراثة الأرض في هذه الآية تشير الى وعد الله المتكرر في القرآن بأن الأرض يرثها عباده الصالحون قبل يوم القيامة، وهذا ما سوف يحصل عند ظهور الإمام المهدي، وقيام دولة العدل الالهي، ثم قيام المجتمع المعصوم تجسيدا لقوله تعالى: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ”.
“وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ”.
“وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (النور 55)
وهذا الوعد هو المعادل الموضوعي للسُّنة الإلهية الحتمية بغلبة الدين على الأرض كلها كما في قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ”.
ويساعد هذا الفهم على القول بأن القيامة (وهي الانتقال الكوني من عالم الشهادة الى عالم الغيب) سوف تحصل والأرض يحكمها الصالحون من عباد الله، ممثلين بالمجتمع المعصوم.
“وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ”.
وتقرر هذه الآية أنه ستكون هناك نفختان، الأولى لإنهاء العالم المادي، عالم الشهادة، والثانية للانتقال الى العالم غير المادي، عالم الغيب.
ولا يبعد ان يكون المقصود بالصور في القرآن الكون كله، واستخدمت كلمة “الصور” كناية عن الكون. ويكون النفخ في الصور كناية عن تحولات وأحداث كونية تحدث ضمن ما يسميه القرآن يوم القيامة، او يوم التغابن، او يوم التلاق او الساعة الخ.
ويمكن ان يكون النفخ في الصور، في المرة الأولى، كناية عن تطورات كونية كبيرة تؤدي الى انهيار الكون المادي المنظور واختفائه من الوجود. وهي التطورات التي أطلق عليها سيد قطب عنوان “مشاهد يوم القيامة”.
وتمثل هذه الأحداث الكونية الكبيرة التحولات التي سوف تحصل “يوم القيامة”، وهو يوم طويل نسبيا يبلغ مقداره ٥٠ الف سنة من زمننا الأرضي حسب قوله تعالى: “تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ”.
يبقى ان نقول إن مشاهد يوم القيامة ليست تخريبا للكون فإنهاء العالم المادي ليس تخريبا للكون أنما هو نقل الوجود من حالة الشهادة الى حالة الغيب، وهي درجة اعلى في الوجود قال الطباطبائي: “إن فناء الممكن كماله” فناء الكون المادي هو كماله بالتحول الى الكون غير المادي “انه في الحقيقة تكميل لها وإتقان لنظامها لما يترتب عليه من إنهاء كل شيء إلى غايته وإيصاله إلى وجهته التي هو موليها من سعادة أو شقاوة لأن ذلك صُنع الله الذي أتقن كل شيء فهو سبحانه لا يسلب الإتقان عما أتقنه ولا يسلط الفساد على ما أصلحه ففي تخريب الدنيا تعمير الآخرة.



