مسؤوليتنا إزاء ظلم ذرية الرسول (ص)

الشيخ جاسم الأديب..
فسّر المفسّرون، سورة الكوثر بعدّة تفاسير ومنها، أنّ الكوثر هي نهر في الجنة أشدّ بياضاً من الثلج، ومنها: هي الشفاعة وغير ذلك من المعاني.
ولكن كثيراً من المفسّرين ذهب إلى أنّ هناك جامعاً لكل المعاني المذكورة وهو الخير الكثير، ومن أبرز مصاديق ذلك الخير هي الذريّة الكثيرة المباركة.
فقد روى المؤرّخون، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لما مات أحد أولاده شمت به العاص بن وائل، وقال: إنّ “محمداً أبتر، فإن مات، مات ذكره، فأنزل الله تعالى هذه السورة على نبيّه تسلية له”.
وفي تفسير الرازي، قال: والقول الثالث: الكوثر أولاده، قالوا: لأنّ هذه السورة إنّما نزلت ردّاً على من عابه “ص” بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلاً يبقون على مرّ الزمان، فانظر كم قُتل من أهل البيت (عليهم السلام) ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يبقَ من بني أميّة في الدنيا أحد يعبأ به، ثم أنظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا “ع” والنفس الزكيّة وأمثالهم.
ذرية النبي (ص) من صلب علي (ع)
شاءت إرادة الرب تعالى، أن يموت أولاد النبي (صلى الله عليه وآله) جميعاً ولا يبقى له سوى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأن تنحصر ذرية النبي (صلى الله عليه وآله) من صلب أمير المؤمنين (عليه السلام) وهذه شرافة وخصوصية انحصرت بالنبي (صلى الله عليه وآله) دون سائر الأنبياء (عليهم السلام)، وكرامة للصديقة الزهراء والمولى أمير المؤمنين (عليهما السلام).
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ “الله جَعل ذُرِّيَة كلِّ نبيٍّ مِن صُلْبِهِ، وإنّ الله عزّ وعلا جعل ذُرِّيّة محمّد مِن صُلبِ عليّ بن أبي طالب”.
من وصايا النبي بذريته
الجدير ذكره، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى كثيراً بالإحسان إلى ذريته والبرّ إليهم ومن ذلك: قوله (صلى الله عليه وآله): “أنا شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاءوا بذنوب أهل الدنيا: رجل نصر ذريتّي، ورجل بذل ماله لذريتّي عند الضيق، ورجل أحبّ ذريتّي باللسان القلب، ورجل سعى في حوائج ذريتّي إذا طردوا أو شرّدوا”.
وقال (صلى الله عليه وآله) أيضاً: “أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: (المُكرم لذريتّي من بعدي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمُحب لهم بقلبه ولسانه).
وقال (صلى الله عليه وآله): “حقّت شفاعتي لمن أعان ذريتّي بيده ولسانه وماله”. وقال (صلى الله عليه وآله): “أكرموا أولادي وحسّنوا آدابي”.
جور الأمة على ذرية النبي (صلى الله عليه وآله)
للأسف الشديد، أنّ الأمة لم تحفظ وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذريته، بل خالفت وصيته وعملوا بخلاف ما دعاهم إليه من البر إليهم والإحسان لهم، فضيّقوا عليهم البلاد وشرّدوهم في الارض وتتبعوهم في الوديان والأمصار والجبال بحيث لا يكاد اليوم الإنسان يجد صقعاً من الأصقاع إلا وفيه أثر ذرية الرسول (صلى الله عليه وآله).
يقول عبيد الله البزاز النيسابوري: كان بيني وبين حميد بن قحطبه الطائي الطوسي، معاملة فرحلت إليه في بعض الأيام، فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعلى ثياب السفر لم أغيّرها وذلك في شهر رمضان وقت صلاه الظهر، فلما دخلت عليه رأيته في بيت يجري فيه الماء، فسلّمت عليه جلست فأتى بطشت وإبريق فغسل يديه ثم أمرني فغسلت يدي وأحضرت المائدة وذهب عنّي إنّي صائم وأنّي في شهر رمضان ثم ذكرت فأمسكت يدي، فقال لي حميد: ما لك لا تأكل؟، فقلت: أيها الأمير هذا شهر رمضان ولست بمريض ولا بي علّة توجب الافطار ولعل الأمير له عذر في ذلك أو علّة توجب الافطار، فقال: ما بي علة توجب الافطار وأنّي لصحيح البدن، ثم دمعت عيناه وبكى، فقلت له بعد ما فرغ من طعامه: ما يبكيك أيها الأمير؟.
فقال: أنفذ هارون الرشيد وقت كونه بطوس في بعض الليل أن أجب، فلما دخلت عليه رأيته بين يديه شمعة تتقد وسيفاً أخضر مسلولاً وبين يديه خادم واقف، فلما قمت يديه رفع رأسه إلى، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال، فأطرق ثم اذن لي في الانصراف، فلم البث في منزلي حتى عاد الرسول وقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: إنا لله أخاف يكون قد عزم على قتلي وأنه لما رآني استحى منّي قعدت إلى بين يديه فرفع رأسه إلي، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد فتبسّم ضاحكاً ثم أذن لي في الانصراف، فلما دخلت منزلي لم ألبث أن عاد إليّ الرسول، فقال: أجب أمير المؤمنين فحضرت بين يديه وهو على حاله فرفع رأسه إلي وقال لي: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟.
فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدين، فضحك ثم قال لي: “خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم”.
قال: فتناول الخادم السيف وناولني إياه وجاء بي إلى بيت بابه مغلق ففتحه فإذا فيه بئر في وسطه وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب شيوخ وكهول وشبّان مقيّدون، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء وكانوا كلّهم علوية من ولد علي وفاطمة “عليهما السلام” فجعل يخرج إليَّ واحد بعد واحد، فأضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر ثم فتح باب بيت آخر، فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلوية من ولد علي وفاطمة “عليهما السلام” مقيّدون، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء، فجعل يخرج إليَّ واحد بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر حتى أتيت إلى آخرهم، ثم فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد علي وفاطمة “عليهما السلام” مقيّدون عليهم الشعور والذوائب، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء أيضاً فجعل يخرج إليَّ واحد بعد واحد فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر حتى أتيت على تسعه عشر نفساً منهم وبقي شيخاً منهم عليه شعر، فقال لي: تبّاً لك يا ميشوم! أيّ عذر لك يوم القيامة إذا قدمت عليه جدّنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد قتلت من أولاده ستين نفساً قد ولدهم علي وفاطمة (عليهما السلام)؟!.
فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي، فنظر إلى الخادم مغضباً وزبرني فأتيت على ذلك الشيخ أيضاً فقتلته ورمى به في تلك البئر، فإذا كان فعلى هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما ينفعني صومي وصلاتي؟! وأنا لا أشكّ أنّي مخلّد في النار.
وورد عن أحمد بن عيسى بن زيد قوله: لما عزم هارون العباسي على القبض علينا أنا والقاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، وعبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، قررنا الاختفاء بين المدن، فاختفى عبد الله في الشام، والقاسم في اليمن، وأنا في الري.
ولما هلك هارون خففنا من تسترنا وأخذنا نظهر في المدن ولكن بتحذّر، إلى أن حان وقت الحج فاجتمعنا في مكة، وجعل كل منا يحكي للآخرين ماذا جرى عليه إبان اختفائه، فقال القاسم: أشد ما جرى عليَّ هو أنني لما خرجت من مكة باتجاه اليمن مع زوجتي وكانت ابنة عمي وكانت حاملاً فبقينا في حر الصحراء بلا ماء.
وبينما نحن على ذلك الحال وإذا بزوجتي يأخذها الطلق، فحفرت لها حفيرة كي تضع المولود فيها وأخذ أجوب الصحراء علني أجد جرعة من الماء، وكلما فتشت عن الماء لم أجد شيئاً فرجعت واليأس مخيم عليَّ فوجدت زوجتي قد ولدت ولداً ولكن غلبها العطش بحيث لم تعد تبصر ما حولها.
فعاودت البحث في الصحراء عن الماء من جديد ولكنني أيضا لم أعثر على شيء فرجعت إلى زوجتي وولدي فوجدت زوجتي قد فارقت الدنيا من شدة العطش ولكن الولد باق على قيد الحياة.
فبقيت متحيّراً ماذا أصنع بهذا الطفل وسط الصحراء بلا أمّ ولا ماء أو حليب، هذا وقد أخذ العطش منّي مأخذاً عظيماً، فصلّيت ركعتين لله عزّ وجلّ ودعوته أن يعينني في أمر الطفل، وما أن فرغت من الصلاة وإذا بي أجد الطفل قد التحق بأمّه.



