مجلس النواب العراقي يحصد ثمار إشكالياته السياسية


يتابع المختصون والمراقبون عن كثب ما آلت وتؤول اليه اوضاع مجلس النواب العراقي خلال المرحلة الحالية والتي توجت بأزمتين واضحتين: اولهما انقسام البرلمان حول عملية الاصلاح في نيسان الماضي، والثانية تمثلت بسيل الاتهامات المتبادلة بين وزير الدفاع ورئيس مجلس النواب وبعض النواب خلال جلسة الاستجواب في بداية آب الجاري. المعطيات الحالية تشير الى استمرار ظهور تلك الازمات بشكل مُزمن كالبراكين وأن طول هدوئها في بعض الفترات. والسبب في ذلك هو الطبيعة التكوينية لمجلس النواب في الثلاث دورات انتخابية، وضبابية فهم دوره ووظيفته من قبل النواب، والأكثر خطورة والاهم هو ضياع الرؤية الوطنية والمشروع الوطني لبناء الدولة العراقية، وبالنتيجة تجسد لنا فعليا فشل واضح في الاداء البرلماني. وهذا مصداق لمبدأ مضمونه أن الاجراءات المغلوطة تقود الى نتاج مغلوطة ولو على المدى البعيد، بمعنى آخر ان النجاحات المرحلية -إن تحققت- لا تتمتع بالتتابع الذي يقود الى النجاح الدائم. ومثلما يجد هذا المبدأ طريقه في العلوم الاخرى، فانه كذلك في العلوم السياسية. ظهور هذه الهزات وغيرها في الماضي أو في المستقبل تُدعونا الى نظرة تحليلية لواقع مجلس النواب. إلا ان الاكتفاء بتحليل الواقع غير كافِ بل لابد من التذكير والإصرار على تقديم المقترحات لتصحيح الاداء. ويُعد النظام الانتخابي الاساس في تحديد ملامح الطبيعة التكوينية والأداء البرلماني لمجلس النواب. وهذا ما بدا واضحا في النظم الانتخابية التي جرى اعتمادها بدءا من القائمة المغلقة وانتهاء بصلاحية رئيس الكتلة بمنح الاصوات الفائضة الى مقربيه وان حصلوا على اصوات لا تتجاوز عدد اصابع اليد. وبعد تشكيل المجلس في الدورات الانتخابية الثلاثة الماضية (2006، 2010، 2014) يُلاحظ تمسك (الاحزاب السياسية) بمبدأ المشاركة في السلطة التنفيذية (في جانبها الحكومي ورئاسة الجمهورية) بنسب تساوي عدد المقاعد التي حصلت عليها في مجلس النواب بطريقة نسبة وتناسب. وهذا مخالف لنص المادة 76/اولا من الدستور والتي تقضي بتكليف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء. هذه إشكالية سياسية ودستورية في الطبيعة التكوينية لمجلس النواب أبعدته عن مهامه التشريعية والرقابية، ودفعت به ليكون على شكل هيئة سياسية، والمهم الاستدلال على هذه الاشكالية وماذا ترتب عليها ليتسنى التفكير في كيفية تجاوزها:
• ترسيخ اعتقاد لدى (الاحزاب السياسية) في مجلس النواب بأنها تمثل جماهيرها ومكوناتها الطائفية والقومية، لذلك تبرر لذاتها ضرورة ان تكون قريبة من مكوناتها لتقدم لهم الخدمات المختلفة عبر مشاركتها في السلطة التنفيذية.
• مع تطور هذه الظاهرة نلاحظ تطورا في نمط التمسك في مناصب السلطة التنفيذية. فيُلاحظ بعد انتخابات 2006 كان التمسك بضرورة التمثيل الطائفي والقومي في السلطة التنفيذية، وبعد انتخابات 2010 صار التمسك بضرورة التمثيل الحزبي داخل المكون الطائفي والقومي، وبعد انتخابات 2014 أصبح التمسك بالتمثيل الشخصي داخل الحزب والذي هو داخل المكون الطائفي أو القومي. وهذا التطور الاخير أبرز ضرورة مشاركة أشخاص معينين في المناصب العليا في السلطة التنفيذية بعّدهم (رموزاً وطنية). ونتيجة هذه الدلالة انعدم وجود جبهة معارضة حقيقية وموضوعية تعمل على تقويم مسار الحكومة ومؤسساتها.
• لابد من التذكير ان النظم البرلمانية تشتمل على قدرات لدى السلطتين التشريعية والتنفيذية في تأثير كل منهما على الاخرى يُطلق عليها (آليات التأثير المتبادل) اي ان السلطة التشريعية وعبر آليات دستورية معينة لها ان تسحب الثقة عن الحكومة وكذلك للسلطة التنفيذية ان تعمل على حل البرلمان عبر الآليات ذاتها. ونتيجة الطبيعة السياسية التي طغت على مجلس النواب نلاحظ تعذر حصول هذا التأثير بسبب ترابط مصالح (الاحزاب) الممثلة في البرلمان والحكومة بنسب متساوية وبالتالي استحالة حل السلطة التشريعية أو سحب الثقة عن الحكومة عن الاخرى. ويتم التذكير بها بين الحين الآخر إعلامياً بقصد التهديد لا أكثر بتهديم النظام السياسي ككل ودفعة واحدة وهذا ما لا ترتضيه المصالح الحزبية المتشابكة.
• امتدت الطبيعة السياسية لمجلس النواب الى لجانه ايضا، فحصل التمثيل الطائفي والقومي والحزبي في تشكيلها وهذا ما سلبها القدرة على ممارسة دورها المنصوص عليه دستوريا سواء في الجانب التشريعي أو الرقابي. لذا لوحظ بان الطبيعة السياسية للمجلس جعلت منه مكبل في المساهمة في تقديم مقترحات القوانين عملا بنص المادة (60/ثانيا) من الدستور والتي تكفل لعشرة من اعضائه أو لجنة مختصة من لجانه تقديم مقترحات القوانين. ولا ننسى الساند في ذلك إلا وهو السلطة القضائية المتأثرة بالوضع السياسي، اذ عملت المحكمة الاتحادية باختصاصها الدستوري على رد القوانين التي يكون مصدرها اقتراح من مجلس النواب بعد تقديم الطعن بها من قبل الحكومة السابقة. وهذا ما سلب البرلمان صلاحيته في التشريع. كما ان الطبيعة السياسية لمجلس النواب سلبت دوره الرقابي أيضا. اذ ان مشاركة (الاحزاب السياسية) في الحكومة جعلها تتردد كثيرا قبل السماح باستجواب وزرائها إلا اذا حصل توافق سياسي بين تلك (الاحزاب). لذا طغت الصبغة السياسية على عمليات الاستجواب أو يجري توصيفها بالسياسية على الرغم من تقديم المِستجوب ادلة وبراهين على قضايا الفساد والخلل الاداري في جلسة الاستجواب. وهذا قاد الى حماية الفاسدين الكبار من المحاسبة.
• هيمنة رؤساء (الكتل أو الاحزاب السياسية) على اداء النواب في جلسات المجلس، وهذا يضفي صفة الجمود على ذلك الاداء وجعل تلك الاحزاب تُصنف في خانة الاحزاب الجامدة. مع ان هناك مؤشرات ضئيلة على تحرر بعض النواب الذين شكلوا ما يُسمى بـ(جبهة الاصلاح) من تلك الهيمنة وهذا مؤشر ايجابي وإذا ما تم تعزيزه، وربما يفضي الى اداء ايجابي لأعضاء المجلس.
هذه العوامل انعكست بشكل مباشر وغير مباشر على الصورة الكلية لمجلس النواب العراقي وجعلت منها صورة قاتمة لأفراد المجتمع دفعتهم دائما الى التشكيك في اجراءات المجلس على انها اجراءات هدفها خدمة من هم في السلطة في الدرجة الاساس وأداة للتسقيط بين (الكتل السياسية) وهذا أثر سلبا على درجة مقبولية المجلس لدى الافراد وبالتالي تشكلت حالة رفض عام للنظام السياسي القائم يجري تعزيزها دائما. ان ما شهده مجلس النواب خلال الاشهر الماضية يستدعي الشروع بإجراءات اصلاحه وربما تكون الفرصة مواتية لذلك في الدورة الحالية مع بقاء عامين على نهايتها. ووضع خطوات ذات رؤية واضحة للإصلاح ويكون الاطار العام لهذه الرؤية هو بناء الدولة العراقية وتوفير الاطار التشريعي المطلوب لذلك. وهذا يستدعي مراجعة ودراسة النظام الانتخابي والاستفادة من التجربة ومخرجاتها. ليكون نظام تمثيلي حقيقي للناخبين يعبر عن ارادتهم لا أن يضمن مناوبة من هم في السلطة على ادارتها. اذا ما اردنا تأسيس دور رقابي لمجلس النواب لابد من تعزيز هدف بناء الدول العراقية بالدرجة الاساس، ومن ثم تعزيز الثقة بين المكونات السياسية وبالتالي تفعيل جانب المعارضة في البرلمان وان تبتعد (الاحزاب والكتل السياسية) عن العرف الذي ساد بعد كل انتخابات برلمانية إلا وهو المشاركة الحتمية في الحكومة ومؤسساتها. وتشكيل حكومة اغلبية سياسية تكون مسؤولة أمام البرلمان وتقدم له برنامجها الحكومي حول السياسة العامة قبل منحها الثقة. ويكون هذا البرنامج هو المعيار في تقييم الاداء وتصحيحه طوال الدورة الانتخابية.



