التهجير وحكاية الكف والمخرز

بقلم: عماد الحطبة..
في تراث بلاد الشام مقولة شائعة، مفادها أن “الكفَّ لا تناطح المخرز”، في إشارة إلى ضعف الكف وقوة المخرز، برغم أن تأريخ المنطقة يروي حكايات كثيرة قاومت فيها الكف المخرز وانتصرت عليه.
يصمم البعض على تناسي هذا التأريخ والعودة إلى هذه المقولة في كل مرة نقف أمام عدو غاشم، ويطلق على المقاومين صفات كالمغامرة والعدمية واللاعقلانية، بهدف دفع هؤلاء المقاومين إلى الاستسلام وقبول شروط العدو، ليحافظ هذا البعض على مكاسبه المرتبطة بالعدو نفسه، بشكل مباشر أو غير مباشر.
لو أن الشعوب امتثلت لمعادلة الكف والمخرز لما تحرر شعب، ولما استقل وطن. المحتل هو الأقوى عسكرياً، دائماً، وهو من يملك وسائل البطش وإرادته الغاشمة، لكنّ كفّ الشعوب اختارت، عبر التأريخ، مقاومة المخرز، واستطاعت دائماً تحقيق النصر. لقد انهارت إمبراطوريات العدوان أمام نضال شعوب لم تمتلك سلاحاً سوى إرادة المقاومة والنصر.
بعد وقف إطلاق النار في معركة طوفان الأقصى، عادت معادلة الكف والمخرز لتطل علينا، ليتباكى أصحابها على الأوضاع الإنسانية للمواطنين في غزة والضفة ولبنان، وعليهم ان يطالبوا بالعقلانية، وتدوير الزوايا مع الخطط الاستعمارية للوصول إلى حالة من “السلام”، تسمح للمواطنين بمداواة جراح الحرب، وتتيح للعالم التدخل لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. تستلّ الأنظمة والشركات الرأسمالية دفاتر شيكاتها، وتنثر وعودها بالسمن والعسل، إذا وضع المقاومون سلاحهم وتحولوا إلى عمال يساهمون في عملية إعادة الإعمار الموعودة.
أكذوبة “إعادة الإعمار” يعرفها العالم جيداً، فالرأسمالية تجد في الأزمات التي تصنعها فرصة للاستثمار وتحريك عجلة رأس المال لتحقيق مزيد من النهب للثروات، وفرض مصالحها الاقتصادية والسياسية على الشعوب.
وهذا ما عبر عنه المنّظر الرأسمالي ميلتون فريدمان، عندما كتب “وحدها الأزمة، سواء كانت الواقعة أو المنظورة، تُحدث التغيير الحقيقي… بحسب اعتقادي، تكمن وظيفتنا الأساسية في تطوير بدائل من السياسات القائمة، وأن نبني هذه البدائل، لتكون متوافرة عندما تحين اللحظة التي يتحول فيها المستحيل سياسياً إلى حتمية سياسية”.
في فلسطين، بعد اتفاقية اوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية في رام الله، ازداد عدد المستوطنين في الضفة الغربية من 107 آلاف مستوطن عام 1992، إلى 507 آلاف مستوطن عام 2024، بحسب الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية.
وتقول المصادر الفلسطينية، إن عدد المستوطنين يزيد على 650 ألف مستوطن، وإن الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية تتغاضى عن المستوطنين غير الشرعيين، الذين يستولون على كثير من الأراضي الفلسطينية. على العكس من الأكذوبة الإسرائيلية بشأن الدافع الديني إلى بناء المستوطنات واستيلاء المستوطنين على الأراضي، إذ تشير الإحصاءات إلى أن 70% من الاستيطان سببه اقتصادي، وأن كبرى المناطق الصناعية والزراعية موجودة في مستوطنات الضفة الغربية، وخصوصاً في محيط نابلس والقدس، ومستوطنات غلاف غزّة.
يقول ضابط الاستخبارات الأمريكية السابق، مايك باتلز: “يقدم إلينا الخوف والفوضى فرصة استثمارية كبرى”. في هذا السياق، تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن إعادة إعمار غزّة غير غريبة عن سياق الرؤية الرأسمالية في التعامل مع أزمات العالم.
فالرأسمالية تتحول عند انتهاء الأزمة من صانع لها إلى زبون يحاول الاستفادة منها، سواء تحت شعار المساعدات الإنسانية، أو إعادة الإعمار. ووصف لوني لوينشتاين، في كتابه “رأسمالية الكوارث”، الآليات التي تتبعها الحكومات والشركات العالمية وتدرّ أرباحاً طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية.
أما اللغة الوقحة، التي يستخدمها الرئيس ترامب، فلا تعبّر عن تغيير في السياسات الرأسمالية، وخصوصاً الأمريكية، بل تعبّر عن أن الرأسمالية تعيش أزمة تدفعها إلى استخدام لغة التهديد تُجاه الخصوم والحلفاء لتسريع خطوات هذه الأزمة.
برغم ارتعاد فرائص المذعورين من تصريحات ترامب، فإن كف المقاومة اختارت الاستمرار في مقاومة المخرز الصهيوني – الأمريكي، فأعلن الناطق باسم حركة حماس تعليق تسليم الأسرى بسبب عدم التزام العدو شروط وقف إطلاق النار، ووضع شروطه للعودة إلى الاتفاق، وأهمها تنفيذ ما امتنعت “إسرائيل” عن تنفيذه، وبأثر رجعي.
وقع الخبر على الإدارة الأمريكية كان كوقع الصاعقة، الأمر الذي دفع رئيسها إلى إطلاق تهديد لا يليق إلا بزعماء عصابات الشوارع، بالعودة إلى الحرب إذا لم تنفذ المقاومة إطلاق سراح الأسرى، في الوقت الذي حدده ترامب.
كان البيان إعلاناً بشأن رفض المقاومة سياسة الأمر الواقع، التي يحاول العدو فرضها، والرسالة تتجاوز موضوع اتفاق وقف إطلاق النار، لتعلن أن كل ما يخططه العدو، من تهجير الفلسطينيين إلى أي مكان في العالم، غير قابل للتنفيذ.
فمَن تصدوا لمئات آلاف الأطنان من القنابل، وصنعوا معجزة طوفان الأقصى، لن يغادروا أرضهم لا طائعين ولا مرغمين، ما لا يعرفه أصحاب معادلة الكف والمخرز، أن الوطن ليس بناءً يدمَّر، ولا لقمة خبز يُحرَم منها جائع، بل الوطن كرامة وإرادة ومكان أليف يدافع عنه أبناؤه بكل ما يقدرون عليه.



