ومضات من حياة علي الأكبر.. كيف نفهم الشباب ونعزز قيمهم؟

صباح الصافي..
الشباب هو ربيع الحياة وزهرتها، ولا توجد مرحلة في العمر تشبه أيام الشباب المليئة بالنشاط والحيوية؛ إنَّه موسم الازدهار الذي يحمل معه الفرح والطموح، حيث لا يمكن تحقيق الكثير من الانتصارات والإنجازات في الغالب إلَّا في هذه الفترة المفعمة بالحيوية.
الشباب هو فرصة فريدة، لا تشبه أي فرصة أخرى، ولا تتكرر أبدًا في حياة الإنسان؛ إنَّها الفرصة الذهبية وأثمن النعم، التي يجب اغتنامها بكل ما فيها من إمكانيات؛ ولذلك لا يمكن للمرء أن يساوره شك في أن تضييع أيام الفرح وإهدار هذا الربيع سينتهي حتمًا إلى معاناة وتحديات يصعب تجاوزها في المستقبل.
لكن هذه الأيام تحمل متطلبات خاصة تُشكّل جزءًا أساسيًا من تعاملنا مع الشباب؛ فالشباب يتميَّزون بالحيوية والطموح والكرامة، ويبحثون دائمًا عن الكمال والمثالية في حياتهم؛ ولهذا، يحتاجون إلى مجموعة من المفاهيم التي تُسهم في صقل شخصياتهم، مثل العبادة والدعاء التي تهذب نفوسهم، والمعرفة التي توسع آفاقهم، والاعتدال الغريزي الذي يوازن بين احتياجاتهم، وتنقية الذات التي تساعدهم على التطور الروحي والنفسي، والنهوض بالمسؤولية التي تُعزز قدرتهم على مواجهة المصاعب واتخاذ القرارات الحكيمة.
مما لا شكَّ فيه أن التفاعل الصحيح مع الشاب يتطلب فهماً عميقاً ووعيًا حقيقيًا، إذ إن السلوك غير الواعي أو غير المناسب قد يدمر مواهبه المادية والمعنوية، ويجعله يعاني الإحباط الدائم؛ فالشاب يحمل روحًا مرهفة وعواطف حساسة، مما يجعل التعامل معه يتطلب دقة وحنكة، وإذا أردنا تقديم المشورة له، يجب أن تكون مصحوبة بالأخلاق الحسنة والاحترام، وإذا ارتكب خطأ في بعض الأحيان، يجب أن نتصرف بحذر ولون من التسامح، كي نساعده على النهوض والتعلم من أخطائه بدلًا من دفعه نحو اليأس.
إنَّ مرحلة الشباب ربيع الحياة الغني بالحيوية والنشاط والطاقة، وفي نفس الوقت غنيٌّ بالتقلبات والعقبات النفسية، حيث يواجه الشخص صراعات داخلية تؤثر على توازنه الفكري والروحي، وتظهر في هذه الفترة حالات من الارتباك والاضطراب، مما يجعلها مرحلة غير مستقرة فكريًا وعاطفيًا، كما تتسم هذه المرحلة ببعض الاضطرابات التي قد تبدو للآخرين مثل نوع من الجنون أو السلوك المفرط.
“ويؤدّي هذا الاختلال الأخلاقي والسلوكي إلى اضطرابات تستدعي من الآباء والأمّهات والمعلّمين والشباب أنفسهم دقّة متناهية ومراقَبة صارمة ليتمّ تجاوز هذه المرحلة بسلام”(1)؛ قال الإمام الصادق عليه السلام: “بَادِرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَة” وقال عليه السلام أيضاً: “احذَروا على شبابكم الغُلاة لا يُفسدوهم؛ فإنَّ الغُلاة شرُّ خَلق الله، يُصغّرون عظمة الله، ويدَّعون الربوبيَّة لعباد الله”.
وقال الإمام الصادق عليه السلام: “لَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى الشَّابَّ مِنْكُمْ إِلَّا غَادِياً فِي حَالَيْنِ: إِمَّا عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَّطَ، فَإِنْ فَرَّطَ ضَيَّعَ، وَإِنْ ضَيَّعَ أَثِمَ، وَإِنْ أَثِمَ سَكَنَ النَّارَ، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله بِالْحَقِّ”(4)؛ لذلك، نحتاج إلى التفاعل مع الشباب بطريقة مليئة بالإيجابية والفرح، وفي الوقت نفسه تكون مسؤولة ومبنية على المثابرة؛ وكل ما يتطلبه الأمر هو أن يتعرف الشاب إلى “احتياجاته” ويكون قادرًا على التصرف بطريقة عادلة ومدروسة، وذلك عن طريق اتباع عدة طرق وقواعد أساسية تساهم في تنمية شخصيته وتوجيهه بشكل سليم:
لكي نكون منصفين مع الشاب، يجب أولاً أن نمتلك فهماً عميقاً لطباعه واحتياجاته، مع إدراك كامل لمرحلة شبابه وما تتطلب من تفاعلات واهتمام؛ ومن هنا تكمن أهمية مراقبة ميوله الفطرية والغريزية، والتي تشكل جزءاً أساسياً من تكوينه النفسي والعقلي في هذه المرحلة من حياته.
وكذلك نحتاج إلى التعامل مع الشاب بناءً على سمات شخصيته الخاصة، وليس وفقًا لعقليتنا أو حكم عمرنا؛ ومن هذا الفهم العميق، يمكننا أن نوفر له بيئة مناسبة تسهم في نمو مواهبه وازدهارها، مما يتيح له الفرصة للتطور والاستفادة من إمكانياته بشكل أفضل.
من القضايا التي يغفل عنها البعض؛ أن الشاب غالبًا ما يفضل عدم التعبير عن رغباته بشكل مباشر، بل يظهرها بطرق غير واضحة أو خفية، وعندما يواجه صعوبة في تحقيق أهدافه أو الحصول على حقوقه، قد يلجأ إلى التمرد، وإذا تجاهل الآباء والمربون هذه الاحتياجات أو الميول، فقد يؤدي ذلك إلى سوء فهم عميق، مما يخلق أجواءً من القسوة والضغط والعنف والإهانة، كما أن التدخل المفرط أو التعامل مع الشاب كطفل قد يحقق نتائج عكسية تؤثر سلبًا على تطوره.



