اخر الأخباراوراق المراقب

المسالمة واللاعنف في منهج أهل البيت (ع)

في عالمنا المليء بالحروب والصراعات، نحتاج إلى أمرين في غاية الأهمية، الأول لماذا تحول العالم البشري المعاصر إلى هذه الوحشية في التفكير والسلوك والتصرف مع الآخر، فمعرفة الأسباب التي جعلت من العالم اليوم في قمة الاحتقان والتوتر، باتت هدفاً مهماً، لاسيما بالنسبة للعقول والقلوب التي تؤمن بالسلم وترفض جرّ الناس نحو الحروب.

الأمر الثاني الذي تحتاجه البشرية كلها، بعد معرفة الأسباب، وضع المعالجات القادرة على إطفاء حالات الاحتراب، ونشر السلك بين الجميع، والعودة إلى الحلقات التأريخية والنماذج المشرقة في تأريخ البشرية، فتجربة الإسلام شكلت للعالم أجمع قفزة على طريق تحويل الإنسان من التوحش إلى المسالمة، وانتشرت قيم الرحمة واللين والتسامح بين الجميع، فأخذت الأمم الأخرى تغترف من هذا النبع الأصيل لقيم السلم والسلام.

لقد حاول الكثيرون من خلال الدين والعقائد المشوهة، نشر الإرهاب، ونشر الحروب بين الدول والأمم، وقدم بعض الذين يعلنون الانتماء للدين الاسلامي أفكاراً متطرفة، تمكنت من نشر الكراهية بين الناس، وازدادت وتيرة الإرهاب في العالم، لكن الإسلام الحقيقي هو إسلام محمد “صلى الله عليه وآله” والأئمة الأطهار من آل بيته، هؤلاء هو النبع المتدفق دائما وأبدا لبث السلام في ربوع العالم أجمع.

فمع ظهور الإسلام بدأت مرحلة جديدة من العقلانية الحكيمة، وصارت قضية التصدي للعنف، أمرا شائعا بكل السبل المتاحة، وانتشر الحوار والتفاهم بين المتناحرين، بدلا من أسلوب الصراع المسلح، والتصادم، وصولا إلى نوع من البدائل السلمية التي تضمن حقوق جميع الأطراف المتناحرة، وتنشر فيما بينهم سلسلة من القيم والمبادئ التي تحيّد القتال، وتنبذ الكراهية، وترسّخ مبدأ السلم والمسالمة.

طرائق الرحمة واللين والصفح

أما ما يحدث من أفعال وحوادث عنيفة فإنها ليست من الإسلام بشيء، لاسيما بعد أن تعلم المسلمون من نبيّهم “صلى الله عليه وآله”، طرائق الرحمة واللين والصفح والعفو والتسامح، والابتعاد الكلي عن أي مظهر من مظاهر العنف، أما في حال اعتمد طرف معين القوة الغاشمة، والتصادم الفج، والكراهية المدمرة، فهذا الطرف لا علاقة له بالإسلام لأنه لا يجنح إلى السلم ولا يعتمد اللاعنف طريقة لترصين العلاقات الإنسانية بين جميع الأطراف.

ومن الأساليب المبتكرة التي أتى بها الإسلام، والتي ساعدت في نشر السلام بين الأمم المختلفة، هو أسلوب الدعاء للعدو كي يكف عن محاولات الاعتداء التي يقوم بها ضد الآخرين، وهذا الدعاء محاولة جديدة وقوية لتحقيق عنصر المسالمة، وطرد جميع الحالات المتوترة التي تسعى لفرض طريقة الحرب بدلا من السلم.

وعندما لاحظ الأقوام التي كانت لا تؤمن بالسلام، وتفض المسالمة، بأن النبي “صلى الله عليه وآله”، أصبح يدعو لأعدائه بالهداية، وهكذا فعل الإمام الحسين “عليه السلام”، وهذا ما جعل الآخرين يواجهون حالة جديدة من العلاقات الإنسانية المتبادلة بين الناس، والتي ترفض الحرب وتفرض المسالمة كأسلوب لحل العقد المستعصية عبر وسائط السلام.

الروح العظيمة تجسدت في بكاء الحسين “ع”

قد يستغرب الآخرون عندما يسمعون بأن الإمام الحسين “عليه السلام”، كان يدعو لأعدائه بالهداية، والكفّ عن الإيغال بالظلم، وكان يتطلع إلى السماء وعيناه تسكبان الدمع مدرارا، هذا الموقف لم يحدث في تأريخ البشرية قبل الإسلام وقبل النبي “صلى الله عليه وآله” وأهل بيته “عليهم السلام”، وكان سبب البكاء أن هؤلاء القوم سوف يدخلون النار بسبب اعتمادهم الكراهية والتطرف والعنف ضد الإمام الحسين “عليه السلام”.

ولكن السؤال الذي ظل يدور في عقول وأذهان الناس والمعنيين، كيف يبكي الإنسان على عدوه، وهو يسعى للقضاء على حياته ويهدد وجوده؟.

هذا السؤال هو الذي يحمل المفارقة العظيمة التي ميزت آل البيت عن سواهم في تعاملاتهم مع أعدائهم ومع الكل، فالكراهية أو الجنوح للحرب والقتال، هذه أساليب لا تقترب من أفكارهم، ولا مناهجهم ولا مبادئهم، ولهذا يحتاج عالمنا اليوم إلى هذه القيم لكي يتحول العالم من الاحتقان والتوتر والصدام إلى التفاهم والتسامح واعتماد المسالمة كأسلوب في جميع التعاملات المتبادلة بين الأمم والدول والأفراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى