الإمام علي (عليه السلام) حاكم وحكيم

الشيخ الحسين أحمد كريمو..
من الحكمة نعرف الحاكم، والحكيم، وإذا كان هناك شخص يستحق هذا الوصف أو تجدر به هذه الصفة الجليلة الجميلة -الحكمة- فهو الإمام علي بن أبي طالب (ع) فهو حاكم ولا يوجد حاكم مثله، ولذا صنّفته الأمم المتحدة في بداية هذا القرن، ففي عام 2002م أصدرت سكرتارية الأُمَــم المتحدة- لجنة حقوق الإنْسَان، في نيويورك برئاسة أمينها العام السابق (كوفي عنان) هذا القرار التأريخي، وقالت في نص هذا القرار: إن (خليفة المسلمين علي بن أبي طالب يعتبر أعدل حاكم ظهر في تأريخ البشر)، مستندة بوثائق شملت 160 صفحة باللغة الإنكليزية، ودعت الحكام والملوك إلى الاقتداء بنهجه الإنْسَاني السليم في الحُكمِ، المتجلي بروح العدالة الاجتماعية والسَّلام.
فجدير بنا أن نطلق عليه: (حاكم الإنسانية الأكثر عدالة، وحكيمها الأرقى في تأريخها)، لأنه أعطى منهجاً قويماً للحكم هو الأرقى والأسمى في تأريخ البشر، لخَّصه في عهده لمالك الأشتر النخعي عندما كلَّفه بولاية مصر، فكتب له دستوراً إنسانياً للحكم لم يشهد العالم، ولا الدول، ولا الشعوب والأمم مثيلاً له ولا نظير، وهو مجهول سياسياً في العالم للأسف الشديد، ولو أن البشرية اليوم بملياراتها الثمانية أرادت أن تتحرر ويسودها العدل في الحكم، والقسط والإنصاف في المجتمعات، فما عليها إلا دراسة وتطبيق هذا الدستور العلوي الكوني -كما أطلق عليه الباحث الدكتور راشد الراشد في بحثه الراقي (الوثيقة الكونية) – جزاه الله خير الجزاء.
والعجيب من شخصية أمير المؤمنين الإمام علي (ع) الثبات وعدم التغيُّر والتقلُّب ولا حتى بمقدار شعرة في حياته عندما كان مواطناً كغيره في الدولة الإسلامية، أو عندما صار الشخصية الأولى فيها وهو حاكمها، وذلك لأنه من المعروف والمتداول بين الناس، أن الكرسي يغرُّ راكبه، وكلما ارتفع مكانه ومكانته كان تغيُّر صاحبه أكثر، وذلك لأن كرسي السلطة والوجاهة له تأثير سحري في النفوس والقلوب الخاوية، وكان والدي (رحمه الله) دائماً يحذِّرني من الكرسي وبريقه وتأثيره على النفوس وتغييرها، ويذكر بعض التجارب التي رآها في حياته، فأحدهم عندما صار مختاراً للقرية أنكر أهله وأصحابه لأنه صار بيده ختم وسلطة كما يظن.
فكيف إذا صار يجلس في كرسي الزعامة السياسية والمتحكم في السلطة على دولة مترامية الأطراف وتحكم أكثر من خمسين دولة من دول عالمنا المعاصر؟ ويحكي التأريخ عن أحدهم كان يسمَّى حمامة المسجد، ولما توفي والده وآلت السلطة إليه كان يقرأ القرآن فأغلقه، وقال: “هذا فراق بيني وبينك، ولا يأمرني أحد بالعمل بما فيك إلا ضربت عنقه”، وذلك لأنه كان ينصب فخاً للبسطاء والمغفلين ليصطادهم كما يفعل الصياد.
إلا علي بن أبي طالب (ع)
فكل الناس والبشر يتغيَّرون إذا تقلَّدوا المناصب وركبوا الكراسي السياسية، إلا ذلك الشخص الذي أقام دولة بجهده وجهاده وبسيفه الذي أنزله الله من السماء مع جبرائيل الذي كان ينزل بآيات القرآن الحكيم إلى الرسول العظيم، ليُبلِّغها للأمة ويُطبِّقها في حياتها، إلا أن البشر لم يكونوا مستعدين لتطبيق الأحكام الإلهية إذا لم يقترن معها قوة تجبرهم على تطبيقها والالتزام بها، ونزول السيف مع رسول الوحي ربما له هذه الدلالة بضرورة وجود قوة تنفيذية -حكومة إجرائية- لتطبيق الوحي وإلزاماته وواجباته في الناس، وإلا فالناس لا يلتزمون من أنفسهم ولا يخضعون لإنسان مثلهم، إلا إذا كانت معه السلطة ويرفدها القوة الملزمة، إلا من رحم ربي.
ولذا قال رسول الله (ص): (ما قام ولا استقام ديني إلا بشيئين: مال خديجة، وسيف علي بن أبي طالب)، والسيدة خديجة أول مَنْ آمن من النساء، وأعطت نفسها الطاهرة وكل ما لديها لحبيبها رسول الله (ص) ثم ذهبت إلى ربها راضية مرضية، وأما الإمام علي (ع) الذي بنى هذا الإسلام، ورفع قواعده، وأشاد دولته وحكومته بضربات سيفه التي كانت أوتاراً، ولذا قال صاحب (النهاية): كانت ضربات علي مبتكرات لا عونا، أي إن ضربته كانت بكراً؛ يقتل بواحدة منها، لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانياً. يقال ضربة بكر؛ إذا كانت قاطعة لا تثنى”.
وقال الدميري في (حياة الحيوان الكبرى): “ومما يؤثر من شجاعة علي (عليه السلام) أنه كان إذا اعتلى قدَّ، وإذا اعترض قطَّ.. فالقدُّ: قطع الشيء طولاً. والقطُّ: قطعه عرضاً”.
وهو الذي قال لمعاوية في صفين: (ويحك، علام يقتتل الناس بيني وبينك، ويضرب بعضهم بعضا؟! أبرز إليَّ فأينا قتل صاحبه فالأمر له)، فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله فيما ها هنا، أبارزه؟ فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل، وأعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل سُبَّةً عليك وعلى عقبك ما بقي عربي، فقال معاوية: يا عمرو بن العاص، ليس مثلي يخدع عن نفسه، والله ما بارز ابن أبي طالب رجلاً قط إلا سقى الأرض من دمه”. هذه شهادة -والفضل ما شهدت به الأعداء- كما يقول الشاعر.
ولكن هذا المجاهد البطل، والباني المؤسس لدولة الإسلام، وحضارة الإنسان، عندما أغمض رسول الله (ص) عينه عن هذه الدنيا وحصل ذلك الانقلاب الأسود في السقيفة المشؤومة لبني ساعدة، حيث ترك الأصحاب مكانهم في جيش أسامة في الجرف، ورسول الله (ص) مسجَّى بين أهله لم يبرد وتراكضوا إلى سقيفتهم وحسموا أمرهم وما خرجوا منها إلا وهو يزفُّون خليفتهم إلى المسجد زفَّة العروس، ولما رأى العباس ذلك قال له: (ابسط يدك يا بن أخ أبايعك فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان).



