لوحات مراد عبد اللاوي.. الارتحال في أرض بلا حدود

تحملنا الرؤية الغامرة والمغامرة التي يجيدها بحرفية وانسياب وانطلاق حر التشكيلي الجزائري مراد عبد اللاوي، في رحلة بصرية وجدانية فكرية وحسيّة يعيد بها تكوين معانيه العبقرية في لوحته ببصمته التي تعنيه روحا وانسيابا.
الأجوبة غير مهمة وأنت تتحاور مع الفنان في فضاء اللوحة أو تحاكيه في تفاصيل البداية والنهاية، العالم التجريدي التجريبي تفتحه النقاط الملونة على المساحات الثابتة للرمادي في قيمته الداكنة والمعتمة أو الترابي في تدريجه حسب الفصول اللونية، ويثبّت عبد اللاوي انتماءه للخط وللشكل وللحرف وللطبيعة ولجغرافيا الفن والذائقة لحماية جمالياتها المعرفية.
فالكل ندّ للمعرفة في عوالم الفنان، بمرونة تسريبها، والكل عنصر في التكوين بشغف يراقص به فرشاته، يسكب به ألوانه، يحفر تضاريسها في لوحاته ليجادل تلك المعارف، وكأنه يرتحل في أرض بلا حدود مفتوحة على الإنسان والانسانية.
هي أبواب فكرية لفلسفته البصرية الشمولية، ومنافذ حسيّة من نور يفتحها بين الروح والمعنى، لا تُشرح لا تُبرّر لا تُقرأ، وليس من دورها التفسير لأن المتلقي سيتقمّصها ويتعايش معها، هي دعوة واستدراج فكري عفوي وتلقائية عميقة في بساطتها.
دهشة يقدّمها مراد عبداللاوي كمؤرخ لون وحكّاء منطلق يسرد التفاصيل عبر المفهوم، بتفرّده وأثره المُقتفى على مدى اللوحة، قد يتركك تتيه عمدا بتجليات حسيّة ويقين مُشتهى بين لحظة الإدراك ولحظات الفهم، فتكون سيّد فرصتك في اللوحة وسيّد انتمائك لها كما هو سيّد ألوانه وفيلسوف إيقاعه ووقعه.
في حكمة التصعيد التي يجادل بها عبداللاوي اللون الواحد، حواريّة روحانية واستجداء للمعنى، وكأن اللوحة تقول كلما استبدّ بي الشوق يبتلعني الصمت، هذا ما توحي به لحظة التأمل الأولى التي يتجلى عبرها اللون، تسقط بك بإرادتك إلى مغارة الروح وحدك، تضيّعك في ثنايا التجريد بين اللون وشبيهه بين العلامة ونقيضها في فضاءات معلنة وفي تفاصيل متجدّدة برع في إحيائها من مواسمها من ترابها ومائها ومن صفير الريح في إيقاعها.
تلتهمنا اللغة البصرية التي يحاكي بها عبداللاوي ألوانه ونحن نمضغ الشوق ونسيل معه بانسياب، نشحذ سكاكين الخيبة في فراغ المدن ونحيبها وهي تقطّع ما تبقى من لحم الحنين لكلاب ذلك الفراغ، بين تفصيل الوقت يعيدنا إلى فقدنا الأول، بين الأوطان الغريبة في رحلة الاغتراب تستدرجنا نحو فضول الاكتشاف التي يدعونا إليها ويحثّنا فيها على الهدوء، تأمل قلق وقلق متفجّر الصمت لا وقت فيه للخيبات ولا لاستسلام المعنى، وحدها الرحلة التشكيلية تعيد أمان العناصر وتطمئنها في التجلي والتماسك.



