اخر الأخباراوراق المراقب

الامتحان الإلهي

قال اللّه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ).

ذكر اللّه سبحانه وتعالى إبراهيم (عليه السلام) في آيات متعددة من القرآن الكريم، فقد كانت لديه عناية خاصة بذريته، فالكثير من الآيات التي ورد فيها ذكره في القرآن الكريم تضمنت دعاءه لذريته.

إن عناية إبراهيم (عليه السلام) بذريته هي بأمر من اللّه سبحانه وتعالى؛ لأن منهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك الكثير من الأنبياء.

والبحث في هذه الآية الكريمة في عدة أمور:

الأمر الأوّل: الاصطفاء

حينما يختار اللّه سبحانه وتعالى، أحداً لتبليغ رسالته، فينبغي أن يكون ذلك الشخص كاملاً لا نقص فيه؛ لأن النبوة هي اصطفاء من اللّه سبحانه وتعالى، والاصطفاء هو أخذ صفو الشيء، وخلقه من دون أية شوائب والقادر الحكيم العالم لا يصطفي الناقص، لأن اصطفاء الناقص حينئذٍ قبيح، واللّه منزّه عن كل نقص، وحيث كانت النبوة بعد الاصطفاء، فلذا فلا أحد يستطيع أن يصل إلى مقام النبوة؛ لأنه اصطفاء من اللّه سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني: الاختبار

إن اللّه سبحانه وتعالى يبتلي ويختبر الأنبياء (عليهم السلام) لتظهر حقيقتهم وذلك لأن اللّه تعالى يختبر الجميع مع علمه بحقيقة جميع الناس، وللاختبار أغراض مختلفة والتي منها ظهور حقيقة الإنسان وجوهره.

وكلما كان المستوى أرفع يكون الاختبار أصعب، ومناسباً لمستوى المُمتحَن؛ لذا كان الأنبياء (عليهم السلام) أشد الناس بلاءً، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ لأن مستوى الأنبياء (عليهم السلام) راقٍ جداً.

وكلمة البلاء في الأصل اللغوي مأخوذة من (بلو) بمعنى الظهور، فمثلاً الثوب الذي يهترئ بسبب كثرة الاستعمال حتى يظهر الجسم من خلاله، يقال له: ثوب بالٍ، لذا يسمى الامتحان بلاءً، لأن حقيقة الشخص تنكشف من خلاله.

ورد في حديث شريف: «إن اللّه تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا»، فإذا كان الإنسان قليل العقل، فإن امتحانه يكون أسهل كي يناسب مستواه، لكن الإنسان الذي يتحلّى بعقل سليم يكون امتحانه بمستوى عقله ومعرفته، وبناء على ذلك، فإن اللّه سبحانه وتعالى يصطفي الأنبياء (عليهم السلام) ويجعلهم في مرتبة راقية جداً، أي: يخلقهم بهذه الدرجة العالية، ثم يختبرهم بعد ذلك بأصعب أنواع الاختبار، بما يتناسب مستوى عقولهم ومقامهم، لتظهر حقيقتهم.

ابتلاء إبراهيم (عليه السلام)

لهذا اختبر اللّه سبحانه إبراهيم (عليه السلام) بأشد أنواع الاختبارات: منها: الاختبار بالنار: فقد اختبره سبحانه وتعالى بالنار، وهو امتحان صعب للغاية، ولاسيما أنه يكون على علم مسبق بما سيجري له، وكثير من الناس يسقطون في هكذا اختبار.

لقد رموا إبراهيم (عليه السلام) بالمنجنيق نحو النار؛ لأنها كانت عظيمة جداً، ولا يستطيعون الاقتراب منها، وفي تلك اللحظة التي كان فيها إبراهيم في الهواء أرسل اللّه سبحانه وتعالى جبرئيل، فقال لإبراهيم: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، حاجتي إلى اللّه سبحانه وتعالى، فأرسل اللّه تعالى له ثوباً من ثياب الجنة (7) فلبسه ووقاه اللّه سبحانه وتعالى من النار، وقد وصل ذلك الثوب إلى يعقوب ثم إلى يوسف، ثم وصل إلى الرسول الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله)، وهو وارث النبوة، وذلك الثوب موجود الآن عند الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه).

ومنها: الاختبار بالهجرة: وهو امتحان صعب أيضاً.

ومنها: الاختبار بذبح الابن: وهو الأشد على إبراهيم (عليه السلام)، حيث كان عليه أن يذبح ولده إسماعيل (عليه السلام)، فقد رزقه اللّه تعالى بولد وكان رجلاً كبير السن، قد بلغ عمره أكثر من تسعين سنة، وهو امتحان صعب جداً.

يُنقل أن رجلاً كان في كربلاء المقدسة، وهو يعمل في صيانة الأسلحة، وكان معظم الناس يملكون السلاح حينذاك، وكان لهذا الرجل ابن واحد فقط، وفي أحد الأيام وفي ما كان يختبر السلاح وقع يده على الزناد فثارت رصاصة، وأصابت ولده وقتلته يقول الناقل: وبعد مرور ثلاثين سنة رأينا هذا الرجل وهو ما يزال في ذلك الحزن السابق، وقال لنا: “من ذلك اليوم الذي قتلت فيه ولدي خطأً وحتى اليوم لم أهنأ بشربة ماء، ولا بأي شيء آخر”.

الإمامة عهد اللّه تعالى

من هنا نعرف حجم الامتحان الذي خاضه نبي اللّه إبراهيم (عليه السلام)، وقد اجتازه بنجاح بعد أن ظهرت حقيقته كاملة، فهو نبي ومصطفى من اللّه سبحانه وتعالى، وقد مرّ بهذه الامتحانات الصعبة، قال تعالى: (وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ)، أي: إنه نجح في هذه الامتحانات نجاحاً تاماً، بعد ذلك قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ)، وهذه الآية تدل على أن الإمامة رتبة أعلى من النبوة، لذا كان بعض الأنبياء أئمة وبعضهم لم يكونوا أئمة.

ولأجل عظمة رتبة الإمامة رغب إبراهيم (عليه السلام) أن تكون في ذريته أيضاً؛ لأن الإنسان كما يريد الخير لنفسه يحبه لذريته، إن بعض الناس يقتّر على نفسه من أجل أن يرسل أبناءه للدراسة، ليضمن لهم حياة مرفهة في المستقبل؛ لأن الإنسان يحب ذريته وأبناءه، ويحب أن يستمر نسله، وقد جعل اللّه سبحانه وتعالى هذه الرغبة لدى كل إنسان؛ لذا رغب إبراهيم (عليه السلام) في أن تكون الإمامة في ذريته، ولذا قال: (وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ)، فأجابه اللّه سبحانه وتعالى بقوله: (لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ).

إذن، فالإمامة هي عهد من اللّه، وقد عهد اللّه إلى إبراهيم (عليه السلام) وليس إلى الناس، كما أن اختيار الأنبياء (عليهم السلام) من اللّه سبحانه وتعالى فكذلك اختيار الأئمة (عليهم السلام)؛ ولذا فالنبوة ليست باختيار الناس، كما كان يريد كفار قريش، حينما قالوا: (لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ)، أي لماذا نزلت النبوة على الرسول الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله) ولم تنزل على عروة بن مسعود الثقفي الذي كان عظيم الطائف، أو على أبي جهل عمرو بن هشام الذي كان أحد عظماء مكة، أو الوليد بن هشام المخزومي أخو أبو جهل؟.

والجواب: إن اللّه سبحانه وتعالى يقول: (ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ)، فهو سبحانه اصطفى محمّداً (صلى الله عليه وآله) ولم يصطفِ هؤلاء؛ لأن النبوة والإمامة عهد من اللّه ولا دخل للإنسان فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى