ثقافية

أدب المقاومة أدب الحياة

هعخعه

نورة عبيد/ تونس

هل غادر الشّهداء من متردّم
أم هل عُرِفت الدّارُ بعد توهّم؟
إنّ لادب المقاومة ادب الحياةِ معنى. وللمعنى شقائقُ؛ أدب السّجون، أدب المنفى والاغتراب، وللشّقائق أمٌّ؛ الادب الملتزم. الكلّ يعكس أدبا ثوريّا لوّاعا غنائيّا واقعيّا وجوديّا مفعما بالحيويّة والشّباب، وإن كان خالقه جذعا غادرته الطّيور.
إنّ هذا الأدب قريب يُلبّي دعوة الدّاعي إذا دعا، موصول بالإنسان، موقّع بقضاياه؛ بابه الوضوح وطلبا للجماليّة يحطّ عند شبابيكه الغموض.
بهذا المعنى لأدب المقاومة فروع تتجاوز الشّعر وفنون النثر كالنّكتة والكتابة الجداريّة والتّشكيل التّطبيقيّ. إنّها فنون منتميّة سياسيّا فرقتها لا تنفي وحدتَها في نصرة حاضنة الإنسان: أرض بالدّم والانتماء أعرشت وطنا. تفيّأ ألما وأملا، تشاؤما وتفاؤلا، كبوة وركوة، ترنيمة ونغما يعجّ بالانتظار يرقَ لقلب راتِقِه حتّى لا يتوقّف النّبض عند الوجع الاوّل.
فهل لي ان انتقي أدباء رفعوا الشّهداء إلى تداوليّة الحياة لانّهم كانوا النّور الذي أوقدته نار المقاومة أم أنّ نارَ المقاومة تعرف من سكن المشكاة سلفا؟
القير غُلِّق على الشّهداء، والادباء فتَّحوا الأقباء وعرجوا بالكلمات إلى سماء الابتلاء. المقاومة والأدب ابتلاء ممّن أوصد الزّفرة الأولى إلى آخر مشاركة وصلت من اديب شاب يجرّب البقاء في الغد.
لقد كان غسّان كنفاني أوّلَ من استقبل أدب المقاومة في النّقد الأدبيّ بكتابيْن عن الادب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال من 1948إلى 1968. ولا جماليّة لهذا الأدب الحديث إلاّ الخروجُ من الهزيمة إلى النّصر. فالكلّ بالكلّ. تسقط الأجساد وتعلو الأفكار.. أستعيد غسّان كنفاني أديبا وشهيدا ولا نغفل عن المسيرة التي فاضت عن السّيرة. ففي ستّ وثلاثين سنة أمكن للرّجل أن يتذّكر ويفكّر ويتعكّر ويرتحل في الكلمات قاصّا وروائيّا وصحفيّا وناقدا ادبيّا وعضوا في حزب سياسيّ ومنظّمات الحريّة والحقوق والقلب يهدج بأدب الأطفال وسيرة الكلمات المقاومة. ونحتقن مع ذكرى الاستشهاد وأمكن ان نحتفل حين اقترن الحدث برسائل العشق والحنين لغادة السّمان في الذّكرى العشرين لاستشهاده 1992. حينها ـ واقصد بعد قراءة الرّسائل ـ اكتملت الصّورة؛ أدب المقاومة ادب الحياة.
“لنزرع شهداءنا في رحم هذا التّراب المُتْخَن بالزّيف فدائما يوجد في الأرض متسع لشهيد آخر. لك شيءٌ في هذا العالم فقم! إنّ الإنسان في نهاية الامر قضيّة.. وإذا بدّلكِ شيء ما في لندن ونسيت ذات يوم اسمي ولون عينيّ فسيكون ذلك موازيا لفقدان وطن. وكما صار في المرّة الأولى سيصير في المرّة الثّانيّة؛ سأظلّ أناضل لاسترجاعه لأنه حقّي وماضيّ ومستقبلي الوحيدَ. لأنّ لي فيه شجرة وغيمة وظلّ وشمس تتوقّد وغيوم تمطر وجذور تستعصي على القلع. ففي صفاء رؤيا الجماهير تكون الثّورة جزءا لا ينفصم عن الخبز والماء وأكفّ الكدح ونبض القلب”.هذا بوح مرتّب ترتيب مقاومة. لا وزن ولا قافيّة فكأنّ الإيقاع أكبرُ من العروض، توقيع حياة تستحيل على القلع إلاّ إذا أصبحت الخيانة وجهة نظر! المعاني والبيان والبديع على قٌلِق طروادة هنا والحصان تُرك وحيدا. الكتابة نثر تفهم شعرا. المقاومة تحتاج إلى عناصر ضروريّة للإنبات: حبّ وقيام وقضيّة وصفاء رؤيا. أطراف استعارة أليفة؛ مجازها العقل علاقتها الكليّة: شجرة وغادة، ظلّ وغيمة، شمس ومطر، ماض ومستقبل، حقّ ووطن. ترديد الأضداد إيقاع الحياة رتاجه الدّمُ. لا فرق بين جماد وحيوان وإنسان في لَعِبِ الأطفال بالحروف، يُعجن الكلّ بالكلّ يموت الإنسان وخلاصه الكلمات مذ حبا صغيرا وتأمّل وتألّم وترنّم وتعهّد وخان بالكلمات إلاّ الشّهداءَ تصلّي عند ذكرهم الكلماتُ. وإذا قيل قاتل البدن متهوم بفعلته وقاتل الرّوح لا تدري به البشرُ، فالشّهيد الشّهيد بتول بشهادته وشهيد الرّوح مُودَعٌ في غربته مقاوِمٌ في وحدته، موكول للرّدى عار من الحياء البشري.
بنات أفكار غسان كنفاني بوصايا منوّر صمادح ونزار قبّاني وفولتار حاولت تأويلها.. فشعر المقاومة عنّدي لا يفسّر. يعاش. اللّغة فأس والكلم غابة والشّابي نسيم ونور وصباح في ظلّ وادي الموت يجسّر الحياة للمردين.
فإذا ذكر غسّان كنفاني يُذْكر كلّ الذين كتبوا عنه وحملوا فلسطين كما يحمل الطين ليسوّى “بالمشوف المعلن”.. ففلسطين أرض مقاومة ورحم توالد حبل السّرة فيه دقل يعطف القلوب على عمود الصّلب. الأسماء لا تتشابه تتقاسم فحسب الحزن العاديّ، الشّعر والنثر كتب سماويّة حين يتعلّق الامر بالقضيّة، إعجاز نبوءتُه التّطبيع مع الحزن، يخيط صدار المتشائل وسعيد أبي النّحس في صبرا وشتيلا يخبر مارسيل خليفة ان حرق الابدان يختلف عن احتراقها. محمود درويش وسميح القاسم وفدوى وإبراهيم طوقان ومريد وتميم البرغوثي وُصِلُوا بالأرض المحتلّة وبالشّعر الذي احتلّته الأرض المحتلّة. فتسرّبت مع الحزن مقاومة من قطاف الحياة وبقايا الصّور خلاصا من المستنقع؛ الابديّة البيضاء رواية الرّيش. سليم بركات يبرّد عنفُ الّتفاصيل الصّغيرة اللاّمرئيّة. يستعيد الشّعرُ بالوزن مرثيّةَ الفقدِ؛ خبز وقهوة امّي، بقع التّوت على صهيل الحصان، تعاليم حوريّة رتا والبندقيّة، الكمنجات الباكيات على الاندلس، سجّل انا عربي، أيّها العابرون في الكلمات العابرة. مقاومة المقاومة بأكسجين الأوتاد الثّابتة فلا حاجة لحصار لمدائح البحر قد يستحيل مديح الظّلّ العالي كفرا بالقضيّة والإنسان إذ تأجّلت المعجزة الفلسطينيّة وغاب درويش في نصف بيت ممّا قال المتنبي: “على قلق كأنّ الرّيح تحتي” وعاد كالنّورس مثقلا بجناحيْن يترجمه الموج إلى وصيّتيْن:
وعلينا نحن أن نحرس ورد الشّهداء وعلينا نحن ان نحيا كما نحن نشاء!
عِنْدمَا يَذْهَبُ الشُّهَدَاءُ إِلَى النَّوْمِ
أَصْحُو، وَأَحْرُسُهُمُ مِنْ هُوَاةِ الرِّثَاءْ
أَقُولُ لَهُم: تُصْبحُونَ عَلَى وَطَنٍ
مِنْ سَحَابٍ وَمِنْ شَجَرٍ، مِنْ سَرَابٍ وَمَاءْ
فهل غادر الشّهداء من متردّم
أم هل عرفت الدّار بعد توهّم؟
جماليّة أدب المقاومة يحيا بالتّناص فلا حديث عن سرقات أدبيّة إلّا إذا جفّ عن الكلمات نسغ الحياة. العنقاء والغول والخلّ الودود ثلاثة لهم وجود. اقتله يصبح حيّا سنّة الوجود. قد شاقني ان أقرأ درويش بسيرة حنّا مينه، أو ليست السّير دروب مقاومة لعسر الطّريق؟ وما احتمال حديث عن كاتب البحر دون حديث عن ناظم حكمت ورسائله إلى كمال طاهر.. رسائل من السّجن إلى السّجن، تكشف انّ العنقاء والخلّ الودود في محاربة الغول. فقد قال النّاظم: “أمّا انا في هذا الكون الرّائع/ شجاع كحبّة القمح”. يُتوارث النّفس ويطير القمح حماما زاجلا فيتقاسم الخبز “عمّال وفلاّحون وطلبة”، ينأى القمر والسّياب لم يشيّع وحيدا فقد أنشد المطر والمحار والرّدى نشيجا في حنظلة وعيّاش واللّحمة الحيّة وبائع قرط الامّ يليق به المديح:
أيا واهب الأرض سرّ البقاء
لمسحاتك الأرض تضحك وجدا
كلّ المساكب
ترتجُّ بشرا ليوم اللّقاء
مقطع من “سيّد الأرض” من مذكّرات خمّاس فمن أسبق من الصّاحبين للمعنى وللمجاز، للمقاومة وللمنادمة أصفاء التّلقّي ام غيابه؟ الأرض المحتلّة أم الأرض المعتّلة؟ غادرنا الشّاعران ولكلّ مقاومته ولعلّ درويش فهم انّ سيّدة الأرض أبقى من سيّد الأرض؟ ولعلّ المقاومة والقيادة وترٌ. فأعلن الغائب الماثل بيننا عن “القيادة الشّعريّة للثّورة التّونسيّة”.
محمّد الصّغير أولاد أحمد:
وعادَ إلى أرضنا الشجر
وعادَ إلى ليلنا القمرُ
وصاحَ الشهيدُ
سلام
سلام
على من صمدْ
القيادة الشّعريّة لا تقبل بنصف الانتماء فمظفّر النوّاب يقتله “نصف الدّفء ونصف الموقف أكثر”!
إنّ ادب المقاومة فيما ذهبت كون نورانيّ يغالب النكبة والنّكسة والمؤامرة والانقلاب! حديث لا يقبل التّقلّب ثابت كالشّجر، منير كالقمر، الدّار مشكاة الشّهيد الصّمد، ولد وسيولد كلّما ساد توهّمُ. فلنقاوم حتّى المقاومة إذا مادت ولن يميد إلاّ من لم يتذوّق مرّ الهوى وقراحه ولن تردّ الحياة وشاحه.
ولي انْ أهديَ هذه القراءة في أدب المقاومة لشهيد حارة الشّعراء “أشرف بن عزيزة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى