اراء

سوء تقدير الاستعمار في سوريا

بقلم: مازیار شکوری..
لقد نجح الاستعمار الغربي وإسرائيل وأردوغان الخائن في إسقاط نظام بشار الأسد بعد سنوات من خلق الفوضى والأزمات والعقوبات الجائرة على سوريا، ونجح الغربيون في انتزاع عمق استراتيجي مهم من محور المقاومة وإضعاف محور المقاومة جيوسياسياً.
ولكن هل حقق الاستعمار وإسرائيل انتصاراً بانهيار سوريا؟
يجب أن نقول إن سقوط سوريا بعد سنوات من الاستعمار وإسرائيل كان انتصاراً للمستعمرين وإسرائيل في الحرب، ولكن كما تعلمون فإن مجرد الاستيلاء على منطقة استراتيجية لا يعتبر انتصاراً في الحرب، فالنصر يعني أن القوات المهاجمة بعد الاستيلاء على منطقة استراتيجية تقوم بتطهير المنطقة من قوات العدو ثم تثبيت تلك المنطقة بوضع التحصينات العسكرية وخطوط الدفاع.
ما يبدو حتى الآن هو أن الغربيين نجحوا في الاستيلاء على سوريا كمنطقة استراتيجية، لكنهم لم ينجحوا في تطهيرها واستقرارها ولن ينجحوا، ويبدو أن الغربيين وإسرائيل أخطأوا في الحسابات. واعتقد الغرب أن سوريا، بما أنها تلعب دوراً حيوياً كممر آمن لإيران ومحور المقاومة، قادرة على لعب الدور نفسه بالنسبة لهم.
إن سوريا هي جغرافية سياسية ثقافية ودينية غير متجانسة، يسكنها العديد من الجماعات الدينية والعرقية، ولا تملك أي منها القدرة على الهيمنة على البقية. ومن بين الجماعات الدينية والعرقية في سوريا الأكراد والأرمن والدروز والشيعة الإسماعيليين والعلويين والسنة والمسيحيين. وإذا كان حزب البعث في سوريا قد تمكن من البقاء في السلطة لعقود من الزمان وضمان بقاء المجتمع السوري غير المتجانس، فذلك لأنه حاول عملياً منع دين أو عرق معين من الهيمنة بشكل ملحوظ على بقية الأديان والعرقيات. ورغم أن نظام البعث السوري عرّف نفسه بأنه نظام عربي واشتبك أحياناً مع بعض الجماعات الكردية، إلا أن هذا الصراع كان مفروضاً في أغلب الأحيان على نظام البعث لأن الأحزاب والحركات الكردية في كل من البلدان الأربعة سوريا وتركيا والعراق وإيران تسعى إلى الاستقلال والتفكك الإقليمي، ولا شك أن حزب البعث في سوريا والأنظمة الحكومية في البلدان الثلاثة الأخرى، استناداً إلى واجبها الأصيل، كانت ولا تزال مضطرة إلى الحفاظ على وحدة أراضي البلاد ومواجهة هذه الحركات. ولكن نظام الأسد لم يتدخل بأي شكل من الأشكال في المعتقدات الشخصية للمواطنين أو شعائرهم ومعتقداتهم الدينية. وحتى على النقيض مما كانت تحاول وسائل الإعلام الاستعمارية والإسرائيلية والإخوانية المسلمة أن تلمح إليه بأن نظام الأسد هو النظام السوري العلوي وأنه قد أقام هيمنة علوية على السنة، فإن هذا غير صحيح على الإطلاق. إن نظرة واحدة على زملاء حافظ الأسد وبشار الأسد وأعضاء حزب البعث السوري تظهر بوضوح أن نظام البعث السوري لم يكن يحاول بأي شكل من الأشكال إقامة هيمنة علوية.
ففي عهد حافظ الأسد كان أهم الأشخاص الذين تقاسموا السلطة هم من السنة. ومن بين هؤلاء المسؤولين عبد الحليم خدام، ورئيس وزراء حافظ الأسد ومستشار بشار الأسد حكمت الشهابي، ورئيس أركان الجيش السوري السابق مصطفى طلاس، ووزير دفاع حافظ الأسد عبد الله الأحمر، ونائب الأمين العام لحزب البعث السوري، وجميعهم كانوا يطلق عليهم الحرس الأول. كان الوضع مشابهاً في عهد بشار الأسد، فكانت شخصيات مثل فاروق الشرع، والنائب الأول لبشار الأسد محمد سعيد بخيتان، وعضو سوري قوي ومؤثر في حزب البعث، اللواء علي المملوك، ورئيس المخابرات السورية وأقرب شخص أمني لبشار الأسد، اللواء ديب زيتون، ومدير الأمن السياسي العميد تركماني، ونائب الرئيس للشؤون التركية، والعديد من الشخصيات القوية الأخرى في البنية السياسية في عهد بشار الأسد، من السنة.
ولكن من الأمور التي أدت زوراً إلى نجاح الغرب في جلب عدد كبير من السلفيين آكلي لحوم البشر والمرتزقة إلى سوريا باسم الجهاد لمحاربة نظام بشار الأسد، أنهم استدرجوا العقل العام بالدعاية الهدامة لحركة الإخوان المسلمين الاستعمارية بأن نظام الأسد هو نظام علوي يضطهد أهل السنة في سوريا. وكانت هذه الدعاية الكاذبة للإخوان المسلمين هي التي أوقعت يوسف القرضاوي في الفخ حتى يتمكن من التحدث ضد نظام الأسد بنفس الادعاء.
لكن الآن أصبح خطأ الاستعمار الغربي هو أنه بتفكك أو انهيار نظام الأسد، فإن البديل الذي اختاروه للجغرافيا غير المتجانسة في سوريا لن يكون قادراً على إدارة هذه الجغرافيا غير المتجانسة الثقافية والدينية والإثنية.

إن حركات الإخوان المسلمين والسلفية بطبيعتها قائمة على الصراع مع الآخرين ولم تستطع قط أن تدير منطقة جغرافية مثل سوريا بتنوعها الديني والثقافي والعرقي، ولقد كانت الحركات السلفية كالقاعدة وداعش وتحرير الشام وغيرها من الجماعات السلفية تسمي زيارة القبور شركاً بالله، وفي هجوم داعش وغيرها من السلفيين على العراق وسوريا رأينا كيف قاموا بمداهمة هذه القبور لهدم قبور آل البيت وأعلنوا تدمير هذه القبور كأحد أهدافهم، وعندما وصل داعش إلى السلطة في سوريا هدم السلفيون قبر الصحابي حجر بن عدي وأخرجوا جثمانه من القبر، والمشكلة أن هذه الحركات بحكم طبيعتها الجهادية غير قادرة على إدارة المجتمع السوري المتنوع. ورغم أن الاستعمار الغربي حاول ويحاول أن يظهر وجهاً هادئاً ومصالحاً من الجولاني والسلفيين من أجل تثبيت حكومة الجولاني والسلفيين، حتى تهدأ التوترات العرقية والدينية في سوريا قدر الإمكان حتى تتمكن حكومة السلفيين من تثبيت استقرارها، بل حتى أمر الجولاني بالظهور علناً مرتدياً ربطة عنق لهذا الغرض في الأيام الأخيرة، إلا أن المشكلة تكمن في مكان آخر، وهو أنه على الرغم من أن قادة ومستويات عليا من جماعة الإخوان المسلمين والحركات السلفية مثل الجولاني يعرفون أنهم مرتزقة للاستعمار وأن مركز أبحاث الاستعمار ينقل إليهم الخطط.
إذا كان المفكر الاستعماري يأمر الجولاني بعدم مهاجمة مقام السيدة زينب في دمشق، فإن الجولاني يفهم أنه لا ينبغي له أن يفعل هذا، ولكن تلك الهيئات والقوى المتوسطة والدنيا التي هاجمت سوريا بقراءة خاطئة للجهاد لهدم قبور آل البيت وقطع رؤوس الآخرين ولا تعلم أن قادة هذه الحركات مرتزقة للاستنار، إلى متى يستطيعون ضبط أنفسهم والتصالح مع أتباع الديانات الأخرى؟!
هذه المجموعة ذهبت إلى سوريا على أمل ورغبة قطع رؤوس الآخرين ومهاجمة قبور آل البيت ويمكنهم الانتظار لفترة، ولكن إذا طال الأمر أكثر من ذلك فإما أن يقطعوا رؤوس الآخرين بأنفسهم ويهاجموا قبور آل البيت والمراكز المقدسة للأديان الأخرى، أو إذا أراد الجولاني بأوامر من المستعمرين منعهم من القيام بهذه الأشياء من أجل خداع الشعب السوري وتهدئة المجتمع فقد يوجهون فوهة بنادقهم نحو الجولاني ويستهدفونه في أي لحظة.
الخلاصة أن التيار السلفي والإخوان المسلمين لديهم طبيعتهم المتأصلة القائمة على هذه التناقضات ولا يمكنهم تجنب الصراع مع الآخرين بأي شكل من الأشكال. هذه هي النقطة التي لم يدركها الغربيون.
هاجمت قوات تحرير الشام مقام أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي أحد علماء العلويين وأضرموا فيه النار. لقد خرج العلويون السوريون في مظاهرات في مدن حمص وحماة واللاذقية ومصياف وطرطوس وجبلة ودمشق ضد الجولاني والمرتزقة الاستعماريين. وفي الأيام الأخيرة قامت قوات تحرير الشام في بعض مناطق سوريا بمهاجمة احتفالات المسيحيين السوريين بأعياد الميلاد وحرق أشجار الصنوبر المسيحية مما أثار غضب المسيحيين السوريين.
إن الاستعمار الغربي لا يستطيع أن يثبت الحكم في سوريا بوجود حركة الإخوان المسلمين والسلفية والتي تشكلت بطبيعتها على الصراع مع الآخرين.
ولكن في ظل هذه الظروف وعدم تثبيت حكم الجولاني ما هو الخطر على الاستعمار؟!
ومع انسحاب سوريا من لبنان، تحررت يد حزب الله لبناء ترسانات الصواريخ وزيادة قوة حزب الله الصاروخية، وتم تنفيذ خطة بناء ترسانة حزب الله الصاروخية بعد انسحاب سوريا من لبنان. في ذلك الوقت، اعتقد الغرب وإسرائيل أنه بتوجيه أصابع الاتهام باغتيال رفيق الحريري إلى بشار الأسد وطرد سوريا من لبنان، سيحققان النصر ويضعفان ويدمران حزب الله في النهاية، لكن الوقت أظهر أن الغرب وإسرائيل كانا حمقى بطرد سوريا من لبنان. والآن كرروا نفس الغباء لأنه طالما أن نظام الأسد قائم في سوريا، كان لديه حدود في اتخاذ أي إجراء ضد إسرائيل بسبب طبيعته كدولة، وكان على المقاومة أن تحصل على موافقة نظام بشار الأسد على أي إجراء ضد إسرائيل من داخل الأراضي السورية. ولكن الآن لا توجد حكومة في سوريا، ومع تشكيل قوات المقاومة في سوريا وسيطرة محور المقاومة على سوريا، أصبحت إسرائيل إلى جانب مجموعات المقاومة التي لا تخضع لقيود الحكومات ويمكنها اتخاذ أي إجراء ضد إسرائيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى