اراء

قبل فوات القرار.. رفقاً بالكبار

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..

ثمة مفردات تداعب الوجدان تخالط أوراقي وقلمي لتنال السبق فيما أكتبه بعيداً عن غموض السياسة وسياسة الغموض وما يفاجئنا من أخبار الساسة والسياسيين وسياسة المفاجآت في بغداد قبل سواها وما أدراك ما بغداد وما آلت إليه الأمور فيها وما دارت الدنيا وكيف تدور، لنترك كل هذا وما فيه وما بين سطوره لأيام قادمة وصفحات لاحقة. لنتحدث في النصح العام بناءً على ما وردتني من رسالة من صديق غالٍ وعزيز له في نفسي غاية الاعتبار وقمة الوقار لكنه أمسى صريع ما تؤطره عولمة التفاهة في منزلة الكبار في عوائلهم بما ينبغي له الثبات في مجتمع يعاني من تواتر المتغيرات وتقلب المزاجات للحد الذي يضيع فيه كبار السن بما يمثلون وما يستحقون من هيبة وحضور، قال تعالى (وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ). في هذه الآية الكريمة إشارة الى ما يعانيه الانسان عندما يكبر في العمر من تلاشي قوته البدنية وتدهور حالته الصحية لذلك جاء في قوله جّل وعلا عندما أشار العلي العظيم لّبر الوالدين.. (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا). لذلك علينا ان نضع معاناة كبار السن بين أعيننا فهم يعيشون في مرحلة حرجة من أعمارهم، إن أغلبهم يرقدون ولا ينامون يتقلبون طوال الليل بين أرق وألم، يأكلون ولا يهضمون فنراهم عديمي الشهية لا يرغبون ألّذ الأطعمة. قد يضحكون لكنهم لا يفرحون بحكم ما يخزنون من هموم الشعور بالوحدة فربما يوارون دمعتهم خلف بسمتهم، يؤلمهم بعدكم عنهم وانصرافكم من جوارهم واشتغالكم في هواتفكم في حضرتهم. يشعرون بانكسار داخلي لأنهم لم يعودوا محور البيوت وبؤرة اهتمام العائلة كما كانوا من قبل وكما كان الكل بالأمس القريب ينتظر منهم مصرف الجيب والبيت وتلبية الاحتياج. فقدوا صحتهم ونظارتهم وفقدوا أمهاتهم وآباءهم وكثيراً من رفقائهم وأصدقائهم فقلوبهم جريحة ونفوسهم مطوية على كثير من الأحزان. الكلمة التي كانت لا تريحهم أيام قوتهم هي الآن تجرحهم والكلمة التي كانت تجرحهم هي الآن تذبحهم، غادر بهم القطار محطة اللذة وصاروا بانتظار الرحيل ينتظرون الداعي ليلبوا حوائجهم أبعد من الطعام والشراب والملبس والدواء، فالمعنويات عندهم أهم بكثير من الماديات. هم قريبون من الله ودعاؤهم أقرب للقبول فاغتنموا وجودهم بينكم قبل نفاد الرصيد، لديهم فراغ كبير يعانون منه ويحتاج الى عقلاء ورحماء حكماء ليملأونه. شابت شعورهم وتيبست مشاعرهم وخارت قواهم. يحتاجون الى بسمة رقيقة تداعب وجوههم والى كلمة طيبة تطرق آذانهم والى يد حانية تمتد الى أفواههم والى عقول كريمة وقلوب حليمة تستوعب رؤاهم؛ فكن لهم العوض عما فقدوا وكن لهم العكاز فيما تبقى وكن لهم الربيع في خريف أعمارهم. حاول جهد امكانك ان تجعلهم يعيشون أياما سعيدة وليالي مشرقة ويختمون كتاب حياتهم بصفحات مليئة بالبر والاحسان إليهم حتى إذا المكان خلا منهم لا تصبح من النادمين. هم كبار السن الآن بكل ما كان لهم ومنهم من انجاز وعمل ومكانة وسيرحلون لا محالة وعما قليل من السنين ستصبحون أنتم هؤلاء كبار السن المقبلون فأنظروا ما أنتم زارعون وما أنتم حاصدون وصانعون واحذروا قبل فوات الأوان وأعلموا أنكم كما تدينوا تدانوا. رحم الله الشاعر إذ قال:

احفظ أباك إذا ابيضت ذوائبه

             فلن تعوضه يوماً إذا ذهبا

ما أشتد عودك إلا بانحناءته

             فكن له سنداً إذا مال وانحدبا

لا تشكو من تعب ان رحت تخدمه

         فهو الذي كم هوى من أجلك التعبا

والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى