اراء

فخ التعويضات.. كيف يدفع الخليج ثمن السياسات الأمريكية؟

بقلم: محمد بن علي..

في القاموس السياسي الدولي، هناك قاعدة غير مكتوبة تبدو وكأنها فُرضت بقوة السلاح على الشرق الأوسط؛ وهي أن القوى الكبرى تملك حق الهدم، بينما تُترك فاتورة البناء دائماً على عاتق دول الخليج.

إن مأساة المنطقة لا تكمن فقط في النيران التي تشعلها السياسات الأمريكية والعمليات الإسرائيلية، بل في غبار المعارك حين ينقشع، لتلتفت الأنظار تلقائياً نحو الخزائن الخليجية، مطالبةً إياها بلملمة خطايا الحروب وأثمان الدمار. هذا النمط المتكرر تحول مع الوقت من مجرد “دعم إنساني” إلى فخ سياسي ممنهج يدفع الخليج ثمنه من استقراره ومستقبله.

الدائرة التي لا تنتهي

إذا تأملنا التأريخ القريب، سنجد أننا نعيش داخل دائرة مفرغة تتكرر بانتظام مرعب. تبدأ القصة دائماً بأزمات وصراعات تكون السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية طرفاً مباشراً فيها، وتنتهي المأساة بدمار واسع لبلد في المنطقة.

لكن الفصل الأخير من هذه الصراعات هو الأغرب؛ ففاتورة الحساب لا تذهب أبداً إلى من تسبب في الدمار. دعونا نتذكر كيف جرى النمط ذاته في محطات قاسية منها: حرب غزو العراق وما خلفته من دمار وهدم لمؤسسات دولة كاملة، المأساة السورية التي حوّلت الحواضر التأريخية والمدن إلى ركام.

وأخيراً، قطاع غزة، الذي دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية بشكل ممنهج.

في كل هذه المشاهد، ومع غياب صوت الرصاص، تتجه الأنظار تلقائياً نحو عواصم الخليج، وكأن هناك قانوناً دولياً يفرض منطقاً مجحفاً: “على القوى المشعلة للصراع أن تدمر، وعلى الخليج أن يدفع ويبني”.

كواليس الصفقات.. فخ الإحالة الأمريكي

لم يتوقف الأمر عند حدود التبرع لإعادة بناء بيوت الأشقاء؛ بل وصلت المفارقة اليوم إلى كواليس الصفقات السياسية الكبرى والمنطق المقلوب.

فوفقاً لتسريبات وتصريحات متداولة بقوة هذه الأيام لبعض السياسيين، فإن المفاوضات الجارية خلف الأبواب المغلقة لوقف إطلاق النار في المنطقة شهدت اشتراط إيران الحصول على تعويضات فلكية تصل إلى 300 مليار دولار كتعويضات عن خسائر حروب وصراعات سابقة كشرط لتمرير الاتفاق. الصدمة هنا ليست في المطلب الإيراني الموجه ظاهرياً لواشنطن، بل في الخطط الأمريكية المسربة التي تسعى لإحالة هذه الفاتورة الشاهقة وتمريرها بالكامل إلى دول الخليج العربي لتدفعها نيابة عنها.

هنا يقف المراقب مذهولاً أمام هذه السريالية السياسية: واشنطن تشعل الأزمات أو تعجز عن حسمها، وعندما تقرر شراء سلامها وتوقيع اتفاقياتها، تدفع الثمن من جيوب حلفائها، إنه المنطق الذي يحاول دائماً جعل الخليج بمثابة المحفظة التي تسدد فواتير التهدئة والتسويات الدولية.

الثمن الخفي وسؤال العدالة الغائب

الخليج لم يكن يوماً بعيداً عن النار، بل كان يدفع الثمن من أمنه واقتصاده مع كل شرارة حرب تنفجر بجواره، سواء عبر تذبذب أسواق الطاقة أو عبر إنفاق المليارات لتعزيز منظوماته الدفاعية لحماية حدوده من الفوضى المحيطة به.

وأمام هذا المشهد المالي والسياسي المعقد، يبرز سؤال العدالة الغائب الذي يتجاهله الجميع: إذا كانت القوى الكبرى تقايض فواتير الحروب وصكوك التهدئة على حساب ثروات الخليج، فمن سيعوض دول الخليج العربي عن الأضرار الاقتصادية والأمنية البالغة التي لحقت بها طوال عقود بسبب حروب الآخرين وسياساتهم المتهورة؟.

نهاية الحكاية أم بداية وعي جديد؟

في نهاية المطاف، تضعنا هذه التسريبات الأخيرة أمام حقيقة صارمة: إلى متى ستبقى أموال الخليج بمثابة “الممول الجاهز” لتسوية حسابات وصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل؟.

إن مداواة الجروح هو سـلوك إنساني عروبي أصيل، لكن استمرار هذا النمط يفرغ الكرم من معناه ويحوله إلى ابتزاز مستدام، يسمح للمتسبب الحقيقي بالهروب من المسؤولية وشراء سلامته بمال غيره.

لقد حان الوقت لتتغير قواعد اللعبة؛ فلا يصح أن يقتصر دور الخليج على كونه “المُرمم الصامت” أو الصندوق الاحتياطي للصفقات الأمريكية، بل يجب أن يكون صانع القرار الصارم الذي يملك الكلمة الأولى، ويفرض شروطه ورؤيته لحماية أمنه واستقراره منذ البداية، رافضاً أن يُساق مجدداً إلى فخ التعويضات الملتوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى