اخر الأخباراوراق المراقب

براعة الشيعة الإمامية في جهاد الكلمة

الشيخ جاسم الأديب ..

تضافرت الأخبار عن أهل البيت (عليهم السلام) بنزول البلايا على الشيعة الإمامية لولائهم الخالص لهم، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: “من دخل في هذا الأمر- أي الولاء لهم- فليتخذ للبلاء جلبابا، فوالله لهو إلينا وإلى شيعتنا، أسرع من السيل إلى قرار الوادي، يتبع بعضه بعضا”.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “من أحبنا فليستعد للفقر جلباباً”.

وقد اشتهر هذا المعنى عند الشيعة الإمامية حتى نظم بعضهم في ذلك ومنهم السيد الحميري (رحمه الله) قال:

إن كنت من شيعة الهادي أبي حسن

                           حقا فأعدد لريب الدهر تجفافا

 إن البلاء مصيب كل شيعته

                         فاصبر ولاتك عند الهمّ مقصافا

وقد تحمّل الشيعة الإمامية كل الصعاب والمخاطر وبذلوا الغالي والنفيس مقابل ولائهم لأهل البيت النبي (عليهم السلام) لعلمهم الراسخ، أنّ الكون معهم مهما بلغت مخاطره هو خير من مفارقتهم، وكما في الحديث عن حمد بن الحسن بن شمون، قال: ‏ كتبت إليه- أي الإمام العسكري (عليه السلام)-أشكو الفقر، ثم قلت في نفسي: أليس أبو عبد الله (عليه السلام) قال: الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا، والقتل معنا خير من الحياة مع غيرنا.

وفي الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) لإبراهيم ابن أبي محمود، قال: يا بن أبي محمود إذا أخذ الناس يميناً وشمالاً فالزمْ طريقتنا، فإنّ من‏ لزمنا لزمناه ومن فارقنا فارقنا.

جهاد الكلمة

وقد قدّم الشيعة الإمامية من أجل ولائهم لأهل البيت (عليهم السلام) وتمسّكهم بهم، أعظم صور الجهاد على مختلف الأصعدة ومن ذلك جهادهم بالأنفس والأموال.

ومن أعظم ما جاهد به الشيعة الموالون عن أهل البيت (عليهم السلام) هو جهادهم بالكلمة والبيان، حيث سطّروا خير صور للجهاد عن عقيدتهم في سادتهم ومواليهم.

ومن هنا وجدت من الجدير أن أذكر نبذة من جهاد الشيعة ودفاعهم عن عقيدتهم في أهل البيت (عليهم السلام) في اللسان والبيان، فأقول: ليس هناك شك في أنّ للبيان أهمية خاصة تفوق في بعض الأحيان عن حدة السنان.

ويكفي في بيان تأثير البيان واللسان ما وري عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: “وإنّ من البيان لسحرا”.

وقد أبدع الشيعة الموالون في النصرة اللسانية لسادتهم الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام) وجهادهم البياني، وسجّلوا على جنبات التأريخ، أعظم صور للجهاد بالكلمة ومن ذلك:

شهيد الحق حجر بن عدي

روى المؤرخون، أنّ أُمّ الحكم لامت معاوية على عدائه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا أصبح قال: اجلسي في قبتك، وارخي عليك سجفك لتسمعي مقالة من يدخل عليّ من وجوه بني أمية، ورؤساء أهل الكوفة، وأخبارهم.

فلما مثلوا، واستقرت بهم مجالسهم قال معاوية للحاجب: أدخل عليَّ حجر بن عدي الكندي الكوفي. فأذن له. فدخل، وسلم. فقال له معاوية: يا بن الأسن، القبيح المنظر، القاطع بنا الأسباب، المُسمّى بالأحزاب، والملتمس بحربنا الثواب، والمساعد علينا أبا تراب.

فقال: يا معاوية، لا تذكر رجلاً كان بالدين برورا، راعي الأمة، وخليفة النبوة، المحامي عن الإسلام أولا وآخرا، خائفا للّه، وبما يرضيه عارفا، عاملا بدين اللّه، طويل الركوع، طاهر الخشوع، قليل الهجوع، قائما بالحدود، متوجها للمعبود، طاهر السريرة، محمود السيرة، نافذ البصيرة. ملك أمرنا فكان كبعضنا، لم يبطل حقا، ولم يظلم خلقا، ولم يخف إلا من اللّه – عزّ وجل – ثم بكى حتى كاد يتلف، ثم رفع رأسه وقال: أما توبيخك إياي، وما كان مني، فاعلم – أيها الإنسان – أني غير معتذر مما جنيت، ولا مكترث ممّا به أتيت؛ فأعلن سرك، وأظهر أمرك.

فقال معاوية: يا غلام، أخرجه عني، فقد بلغ مني، ولولا ما سبق مني لما فاته طعم السيف، ولعل ذلك يكون بعد هذا.

ناطق الحق هاني بن عروة

قال الهيثم بن عدي: وأدخل على معاوية هاني بن عروة، فلما دخل قال معاوية: أنت المائل علينا علي بن أبي طالب، العدو المحارب، الخارج علينا في جماعة المسلمين يوم صفين؟.

فقال هاني بن عروة: أما خروجي عليك يا بن هند، فإنني غير معتذر منك، ولو كنت مبارزي يوم صفين لقد كنت أيتم منك هذا المجلس، وكذلك هؤلاء الجلوس لو أنهم بارزوا لأعولت عليهم نساؤهم في جملة المعولات، وإنما تربصت بنفسك عن أن تلحق الكرام.

فوالله ما أحببناك منذ عرفناك، ولا قلبنا السيوف التي فيها جالدناك، وإنها لحداد بأيدي أناس شداد، وإن نصر الله لينزل علينا، وإنا لنعرف أيادي الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى