مشروع الإصلاح في المنهج القرآني

نجد في الطبيعة صلاحاً وفساداً، ويساهم الناس يومياً في إصلاحها أو فسادها، إلا أن الفطرة السليمة تدعو إلى الإصلاح بالسلوك الحسن، ويذكر القرآن الكريم بهذه الحقائق سواءٌ ما يتصل بصلاح الطبيعة أو بطبيعة البشر، وهذا ما تذكره الآية القرآنية المباركة “وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ”.
وإننا إذ نتعرض للمنهج الإصلاحي في القرآن الكريم، لابد من تعريف واضح لأبعاد ما تعنيه كلمة الإصلاح سواء في الإطار الدعوي والحركي أو الإطار السياسي، حيث أن كلمة الإصلاح أخذت معاني متعددة قد لا تتوافق مع المنهج القرآني وقد تتعارض معه في بعض الأحيان، حيث أنه قد لا يحقق التغيير المنشود الذي جاء به الإسلام والذي يغطي كل مجالات الحياة على الصعيد الفكري والتربوي والسياسي والاجتماعي وغيرها وقد غطت آيات القرآن الكريم هذه الجوانب حيث يمكن استعراضها على كل صعيد.
الإصلاح النفسي
ان أية عملية إصلاح حقيقية تبدأ أولاً من داخل نفس الفرد وإيمانه العميق بالصلاح والإصلاح قبل أن تكون مشروعاً في الواقع الخارجي، ولذلك ركز القرآن الكريم على ضرورة تزكية النوايا الداخلية أولاً لكي تتشكل المنطلقات بطريقة صادقة وسليمة بعيداً عن الأهواء المنحرفة والمصالح الضيقة، فتحدث القرآن عن ذلك من خلال الآية الكريمة: “قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً”.
ويشير الإمام الصادق (عليه السلام) إلى ذلك في حديث مروي: “إنما خلد أهل النار في النار لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة، لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: “قل كل يعمل على شاكلته”، قال (عليه السلام): على نيته”.
ذلك أن الله هو العالم بما تضمره السرائر والنفوس وعلى الإنسان أن يدرك هذه الحقيقة ويشير القرآن إلى ذلك بقوله عز وجل: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ” وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “يحشر الناس على نياتهم”.
ويحث الرسول (صلى الله عليه وآله) على حضور النية في كل عمل، فيقول (صلى الله عليه وآله): “يا أبا ذر ليكن لك في كل شيء نية حتى في النوم والأكل”.
وجاء في حديث لأمير المؤمنين علي (عليه السلام)، “إن النفس لجوهرة ثمينة من صانها رفعها ومن ابتذلها وضعها”.
وحذر القرآن من خطورة التوجهات النفسية السلبية على واقع الإنسان بقول ربنا عز وجل: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ”.
وفي المناجاة للإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) يقول: “الهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمارة والى الخطيئة مبادرة وبمعاصيك مولعة”.
ولذلك يدعو أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لتربية النفس أولاً حتى يتمكن الفرد من النجاح في التأثير على الآخرين، حيث أن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقال فيقول “عليه السلام”: “من نصب نفسه للناس إماما، فليبدأ بتعليم نفسه قبل غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم”.
الإصلاح الاجتماعي
إن قوة أي مجتمع تكمن في متانة الروابط الاجتماعية بين أبنائه وسلامة العلاقات القائمة بينهم على أسس أخوية صادقة في التعامل والاحترام والتقدير وقد اهتم الإسلام بهذه القضية اهتماما بالغاً وقد عبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك في حديث رائع “الدين المعاملة” بل إنه (صلى الله عليه وآله) بين أحد أهم أسباب رسالته حينما قال (صلى الله عليه وآله): “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” وتعرض القرآن الكريم إلى هذا الجانب من كل الجوانب في علاقة الناس يبعضهم في أبسط القضايا وفي أكبرها واعتبر القرآن الإصلاح الاجتماعي ضمانة لاستقرار المجتمعات وعدم تعرضها للدمار ويشير القرآن إلى ذلك حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى: “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ”.
ودعا القرآن إلى تبني الإصلاح كقاعدة رئيسة بين الناس حيث يقول ربنا عز وجل: “فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ”.
ورغب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عملية إصلاح ذات البين في حديث مروي عنه (صلى الله عليه وآله): “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ الصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة”.



