اخر الأخباراوراق المراقب

نصرة المظلومين

المظلوم يمكن أن ينظر إليه الفقيه من ناحيتين: من ناحية الشخص المظلوم نفسه، وما هي التكاليف التي يجعلها الفقه على عاتق المظلوم، ومن ناحية موقف الآخرين تجاه المظلوم، وما هي تكاليفهم تجاهه.

أوّلاً: وظيفة المظلوم تجاه نفسه

هناك جملة من الوظائف والأحكام التي يُقرّرها الشارع تجاه المظلوم، لا بأس بعرضها وتزيينها بشواهد، ونماذج من حوادث كربلاء.

1ـ حُرمة تقبّل المظلوميّة والبقاء عليها

هل يجوز للإنسان شرعاً أن يضع نفسه تحت الظلم، ويُمكِّن الظالمين من نفسه، ويُصبح مضطهداً؟ لا شكّ في أنّ الأصل الأوّلي هو حرمة ذلك، فلا يجوز للإنسان المسلم أن يجعل نفسه تحت قبضة الظالمين، ويُعرّض نفسه إلى الظلم والاضطهاد؛ ولذا ذكر الفقهاء أنَّه لا يجوز تقبّل المظلومية والبقاء عليها. وسيأتي أنّه يجب عليه الدفاع عن نفسه؛ للخروج من حالة المظلوميّة.

ولكن يُستثنى من ذلك بعض الموارد وهي:

1ـ أن يكون الخروج من قبضة الظالمين غير مقدور له، كالمكتوف الأيدي الذي لا يستطيع الهجرة، ولا حتى الدفاع عن نفسه، فمثل هذا الإنسان لا يجب عليه شيء، بل يُؤجره الله على هذا البلاء العظيم؛ ولذا ورد عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام  فِي حَدِيثٍ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ مَا ظَفِرَ بِخَيْرٍ مَنْ ظَفِرَ بِالظُّلْمِ، أَمَا إِنَّ المظْلُومَ يَأْخُذُ مِنْ دِينِ الظَّالِمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الظَّالِمُ مِنْ مَالِ المظْلُومِ» وقال المازندراني في شرحه على الكافي: إنَّ هذا الحديث فيه تنبيه على أنّ المظلوميّة من أفضل الخيرات.

2ـ أن يكون خروجه من تحت المظلوميّة والاضطهاد سبباً تامّاً لظلم الآخرين، وفي هذه الصورة لا يجب عليه الخروج من المظلوميّة، ويصحّ له البقاء عليها، ولعلّه إلى هذا يُشير قوله عليه السلام : «أقدموا على الله مظلومين، ولا تقدموا عليه ظالمين» قال الهاشمي الخوئي شارحاً العبارة: « يعني: إذا دار الأمر بين الظالميّة والمظلوميّة، فكونوا راضين بالمظلوميّة؛ لأنّ الظلم قبيح عقلاً وشرعاً، والظالم مؤاخذ، ملعون كتاباً وسنّةً، أو لا تظلموا الناس وإن استلزم ترك الظلم مظلوميّتكم، فانَّ يوم المظلوم من الظالم أشدّ من يوم الظالم من المظلوم».

 3ـ أن يكون ترك التعرّض للظالم سبباً لاندراس الدين، وانتشار الفساد في الأرض، والحُكم بغير ما أنزل الله، فيجب هنا محاربة الظالم بإذن الإمام المعصوم كما مرّ، وإن استلزم ذلك الوقوع في المظلوميّة، فهنا الوقوع في المظلوميّة لا يُبرّر ترك التعرّض للحاكم الجائر، بل تكون هذه المظلوميّة جائزةً، وإن كان يجب عليه الدفاع عن نفسه، والخروج عن حالة المظلوميّة ما أمكن.

كربلاء وإباء الضيم والظلم:

وفي كربلاء مواقف تدّل على رفض المظلوميّة وإباء الضيم، وعدم تحمُّل البقاء عليها، وبذل النفس والنفيس في سبيل إحياء الدين، والقضاء على الفساد في الأرض؛ لذا قال الإمام الحسين عليه السلام : «ألّا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به، وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[ وجاء في كلمات الإمام الحسين عليه السلام : «ألَا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت، وحجور طهُرت، ونفوس أبيّة، وأُنوف حميّة، من أن نُؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».

2ـ الدفاع عن النفس والاستنصار

 يجب على الإنسان الدفاع عن نفسه، كما يُستحب له طلب النصرة من غيره، بل قد يجب ذلك إذا لم يندفع الظالم إلّا به، ويجب عليه التدرّج في الدفاع عن النفس، فإن كان يندفع بالكلام تعيَّن الكلام، وإن لم ينفع انتقل إلى الصياح، وإن لم ينفع الصياح انتقل إلى الاستغاثة وطلب النصرة من الآخرين، وإن لم يكن هناك ناصر ينتقل إلى العصا ـ مثلاً ـ وإن لم ينفع تعيّن الدفاع عن النفس بالسلاح، فإذا قُتل الظالم ذهب دمه هدراً، وإن قَتَله الظالمُ كان الإنسان الذي يدافع عن نفسه كالشهيد.

قال العلّامة في قواعد الأحكام: «يجب الدفاع عن النفس والحريم بما استطاع، ولا يجوز الاستسلام، وللإنسان أن يُدافع عن المال، كما يُدافع عن نفسه وإن قلّ، لكن لا يجب، ويقتصر على الأسهل، فإن لم يندفع به ارتقى إلى الصعب، فإن لم يندفع فإلى الأصعب، فلو كفاه الصياح والاستغاثة في موضع يلحقه المنجد اقتصر عليه، فإن لم يندفع خاصمه بالعصا، فإن لم يُفد فبالسلاح. ويذهب دم المدفوع هدراً، حرّاً كان أو عبداً، مسلماً كان أو كافراً، ولو قُتلَ الدافع کان کالشهيد».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى