بر الوالدين في الميزان

الشيخ جاسم الأديب
كثير من الناس ينظر إلى مسألة بر الوالدين على أنها مجرد حكم شرعي وعادات عُرفية وتقاليد اجتماعية، ترعرعت عليها الشعوب الإسلامية واعتادت عليها الأجيال عبر العصور المختلفة، والحال أنّ هناك منظاراً آخر لا يقل عن هذا المنظار قداسة وأهمية، غفل عنه كثير من الناس.
هذا المنظار لمسألة بر الوالدين هو المنظار الحقوقي، وهو وإن كان منظاراً شرعياً أيضاً إلا أنه يمتاز عن ذلك المنظار المتعارف بخصوصيات متعددة.
عظمة حق الوالدين
ليس هناك شك أنّ للوالدين على كل إنسان حقوقاً عظيمة من الصعب بمكان للإنسان أداء حقّها، وقد تعرّض أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الحقوق في أحاديثهم المختلفة ومن ذلك:
ما روي أنّ رجلاً جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال له: يا رسول الله إنّ أبوي بلغا من الكبر، إني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقّهما؟.
قال: لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما.
وشكا إليه آخر سوء خُلق أمه، فقال: لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر، قال: إنها سيئة الخلق، قال: لم تكن كذلك حين أرضعتك حولين، قال: إنها سيئة الخُلق، قال: لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها، قال: لقد جازيتها، قال: ما فعلت؟.
قال: حججت بها على عاتقي، قال: ما جازيتها ولا طلقة.
أهميّة بر الوالدين في الإسلام
أولى الشارع المقدس مسألة بر الوالدين، أهميّة خاصة بحيث إنه جعل الإحسان إليهما عقيب مسألة عبادة الله وعدم الشرك به، فقال: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً). وقال عز من قائل: (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً).
ومن الشواهد أيضاً على أهمية بر الوالدين هو:
أولاً: أنّ من علامات معرفة الإنسان بالله تعالى هو برّه بوالديه، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): “بر الوالدين من حسن معرفة العبد بالله تعالى”.
ثانيا: بقدر ما يبر الإنسان والديه يكون محبوباً عند أهل البيت (عليهم السلام).
عن عمار بن حيان، قال: خبّرت أبا عبد الله (عليه السلام) ببر إسماعيل ابني بي، فقال: “لقد كنت أحبّه وقد ازددت له حباً، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتته أخت له من الرضاعة، فلما نظر إليها سُرّ بها وبسط ملحفته لها، فأجلسها عليها ثم أقبل يحدّثها ويضحك في وجهها، ثم قامت وذهبت وجاء أخوها فلم يصنع به ما صنع بها، فقيل له: يا رسول الله صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل؟”.
فقال: لأنها كانت أبر بوالديها منه.
ثالثاً: أنّ بر الوالدين يُرضي الله عزّ وجلّ وإلى ذلك يشير الإمام الباقر (عليه السلام) بقوله: ألا أخبركم بخمس خصال هي من البر والبر يدعو إلى الجنة؟ وكان ممّا قاله في الحديث: وبر الوالدين فإنّ برهما لله رضى.
رابعاً: أنّ الشارع المقدس أكد وجوب بر الوالدين حتى لو كانا فاجرين ولم يقتصر على بر الوالدين البرين.
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برّين كانا أو فاجرين.
خامساً: أنّ بر الوالدين يُقدّم في بعض الأحيان على بعض العبادات المستحبّة، ففي الخبر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله إني راغب في الجهاد نشيط، قال: فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) فجاهد في سبيل الله فإنك إن تقتل تكن حياً عند الله ترزق، وإن تمت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت، رجعت من الذنوب كما ولدت.
قال: يا رسول الله إن لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي ويكرهان خروجي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقر مع والديك، فو الذي نفسي بيده لأنسهما بك يوما وليلة خير من جهاد سنة.
وقد استدل الشهيد الأول (رحمه الله) في الذكرى على جواز تلبية المصلّي في الصلاة فيما لو دعته والدته، قال (رحمه الله): قلت: هذه الرواية تدل على جواز التلبية في الصلاة، ومثلها رواية أبي جرير عن الكاظم (عليه السلام)، قال: إنّ الرجل إذا كان في الصلاة فدعاه الوالد فليسبّح، فإذا دعته الوالدة فليقل لبيك.
خصائص بر الوالدين بالمنظار الحقوقي
أما خصائص بر الوالدين بالمنظار الحقوقي:
الخصيصة الأولى: أنّ كثيراً من الحقوق يعتبرها العقلاء بما هم عقلاء بغض النظر عن عقائدهم وتوجهاتهم، فإنّ حقّ الوجود الذي يُدان به الإنسان لوالديه متسالم بين جميع العقلاء، وكذا هو حق الحمل الثابت للأم عند الجميع.
الخصيصة الثانية: أنّ مراعاة بعض الحقوق وإن لم يقبح الذمّ عليها عند البعض، إلا أنّ الالتزام بها ومراعاتها ممدوح لدى الجميع، وكشاهد على ذلك المبالغة في بر الوالدين، فإنّ تركه وإن كان غير مذموم عند البعض، إلا أنّ الجميع مجمعون على حسنه.
الخصيصة الثالثة: أنّ بعض الحقوق وإن لم تكن ملزمة شرعا، ولكن آثارها الوضعية تشمل الإنسان في حال عدم مراعاتها.



