سقوط دولة أم تفكّك محور؟!

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
ربما يبدو من المكابرة وتجميل الواقع، أن نصف ما جرى في سوريا من أحداث دراماتيكية خلال الأيام الأخيرة بأنه أمر عادي، أو أنه كان ممكناً ومُتوقعاً، سواءٌ من حيث التوقيت أو الظروف والملابسات، إذ إن ما جرى من تحوّلات وتغيّرات ميدانية وسياسية بهذه السرعة الفائقة يشبه إلى حدٍّ بعيد الزلزال بكل ما للكلمة من معنى، وستكون له من دون أدنى شك، تداعيات كارثية وهائلة على عموم المنطقة والإقليم، وخصوصاً على دول محور المقاومة وجماعاته.
ربما أكون، حسب رأي البعض، متشائماً أكثر من اللازم، وربما يرى البعض الآخر أن التغيير سنّة إلهية معمول بها في كل الأزمنة السابقة، وتطال الجميع الصالح منهم والطالح، وهذا الرأي يمكن أن يكون صحيحاً في ظروف معينة ولا جدال في ذلك، بيد أن حقيقة ما جرى في سوريا في هذا التوقيت بالذات يخضع لعوامل أخرى أكثر تعقيداً، وهو نِتاج عمل متواصل ومستمر منذ أكثر من اثني عشر عاماً، استخدمت فيه القوة العسكرية “الهجينة” المدعومة من كل قوى الشر في العالم، إلى جانب مئات المليارات من الدولارات التي تكفّلت بدفعها ممالك وإمارات ودول فاسدة ومجرمة ودكتاتورية، إلى جانب مئات الآلاف من المضلّلين والمخدوعين والتكفيريين والمأجورين، الذين جيء بهم من كل أصقاع العالم لتنفيذ أجندات أمريكا و”إسرائيل”، وإلى جانبهما بعض دول الإقليم التي مازالت تعيش وهم الإمبراطورية الغابرة.
على كل حال، فإن ما حدث في سوريا من تطوّرات وتحوّلات حذّرنا منه سابقاً، يحتاج إلى بعض الوقت حتى نحكم عليه بشكل كامل، وإن كنا نعرف منذ اليوم الأول للحراك الذي بدأ قبل أكثر من عقد من الزمان أنه لن يكون في صالح أمتنا العربية والإسلامية، وأن تداعياته التي نشهد بعضها الآن لن تخدم سوى الكيان الصهيوني المجرم الذي يهلّل فرحاً وطرباً بما حدث، بل ويتمادى في عدوانه من خلال احتلال مناطق جديدة داخل الأراضي السورية، وتقصف طائراته القواعد العسكرية السورية ومخازن الأسلحة بحجة عدم وقوعها في أيدي الجماعات المسلحة، مع أنه يعرف تمام المعرفة أنها لم ولن تطلق عليه رصاصة واحدة طوال تأريخها، بل وكان المصابون من أفرادها يتلقّون الرعاية الصحية في المستشفيات الإسرائيلية في صفد وغيرها.
أكثر الجهات التي ستتأثر بما جرى في سوريا هي المقاومة في لبنان، والتي كانت تعتمد على الطريق البري الممتد من طهران، مروراً بدمشق، وصولاً إلى بيروت للتزوّد بكل ما تحتاجه من أجل مواجهة العدو الصهيوني، وقد جاء هذا التطوّر المهم في ظل حالة من التوتّر عالي المستوى على خلفية العدوان على لبنان، وإمكانية أن يستغل العدو هذا التحوّل لاستئناف هجومه العسكري بعد انقضاء مهلة الستين يوماً.
ومن الجهات المتأثرة سلباً هي فلسطين ومقاومتها على وجه التحديد، حيث مثّلت سوريا، ملاذاً آمناً للفلسطينيين كما لم تكن أية عاصمة عربية أخرى، وكان الفلسطيني يُعامل فيها معاملة المواطن السوري بل ربما أكثر، أما في ما يخص المقاومة فقد كانت سوريا قاعدة متقدّمة للدعم والإمداد والتدريب والعلاج، وربما ستكشف الأيام أو السنوات بعضاً مما قدّمته سوريا للمقاومة الفلسطينية، سواءٌ في قطاع غزة، أو في الضفة الغربية المحتلة، والتي لعبت سوريا فيها خلال السنتين الأخيرتين، دوراً محورياً في عودة النشاطات المسلحة إلى مدنها وقراها، وساهمت في إعادة تفعيل المجموعات والكتائب العسكرية للمقاومة، لا سيّما في جنين وطولكرم ونابلس، كما لم تفعل أية دولة من قبل.
جهات أخرى ستتأثر سلباً بما حدث في سوريا، منها دول ساهمت في سقوط النظام من خلال غرف العمليات المعادية المقامة على أراضيها، وثانية أنفقت المليارات من أجل دعم الجماعات مختلفة الأجندات والتوجهات والولاءات، وثالثة امتنعت عن تقديم المساعدة لسوريا وهي تتعرض لحصار أمريكي وغربي خانق وقاتل ساهم في انفراط عقد مؤسساتها، وفي تحوّلها إلى دولة شبه فاشلة، وخصوصاً على المستوى الاقتصادي.
قبل أن نُنهي، دعونا نسأل السؤال التالي: هل نحن أمام سقوط دولة ونظام، وقفا خلال عقود مضت في وجه مشاريع التبعية والسيطرة على مقدّرات الأمة، أم أمام تفكّك محور المقاومة، الذي بذل الكثير من التعب والدم والتضحيات من أجل بناء صرح مقاوم قلّ نظيره، استطاع من خلاله أن يُفشل مؤامرات الأعداء، وأن يقف بالمرصاد في وجه خططهم وألاعيبهم.
وفي الحقيقة، من دون التقليل من خطورة ما جرى ويجري، وبغض النظر عن إمكانية وجود تقصير أو تخاذل من هذا الجانب أو ذاك، فإن فرضية تفكّك محور المقاومة وانهياره تبدو ضعيفة للغاية، مع أنه فقد إحدى أهم ساحاته الرئيسة، ولا نبالغ إذا قلنا إنه فقد قلبه النابض الذي كان يمد أطرافه وأذرعه المنتشرة في جغرافيا واسعة من الإقليم بما يلزمها من أجل البقاء، ولكن بما أن بنية هذا المحور قوية وثابتة، ولا تعتمد فقط على مكوّن واحد أو اثنين من مكوّناتها الأساسية، ولديه من الإمكانيات البشرية والعسكرية ما يستطيع من خلاله مواجهة أعتى البراكين التي يمكن أن تثور في وجهه، فإنه قادر على استيعاب ما جرى، وامتصاص الصدمة التي تعرّض لها، وتحويل التهديد الذي ارتفعت نسبة خطورته إلى فرصة سانحة لمزيد من الإنجازات.
محور المقاومة الذي بُنيت أساساته على أرض صلبة، وتعمّد بنيانه بتضحيات العظماء والأبطال، وتخضّبت طريقه بدماء الشهداء البواسل، لا يمكن له أن ينهار أو يتفكّك، خصوصاً وهو يملك قيادة حكيمة، وجنوداً أوفياء إن أرادوا خلع الجبال لخلعوها، وملايين الأنصار والمحبّين لو تحركوا لغيّروا معادلات، وصنعوا معجزات.
هذا المحور سيضمّد جراحه النازفة، وسيواصل طريقه مهما كلّفه ذلك من ثمن، لأنه يدرك تماماً أن انهياره، لا سمح الله، سيفتح الباب على مصراعيه لدخول الجميع في المنطقة إلى الزمن الإسرائيلي، هذا الزمن الذي سيبتلع المنطقة، ويجعلها تجثو على ركبتيها لتقدّم فروض الطاعة لشذّاذ الآفاق والقتلة والمجرمين، هذا المحور سينهض من جديد حتى لو بعد حين، حينها لن يسود الشر، ولن يحلّ الظلام، ولن يفرح أكلة الأكباد بمصرع حمزة من جديد.



