ما سر نجاح المسلمين الأوائل ؟

يتساءل الكثير من الباحثين في تأريخ الأديان والأمم، عن تلك الأسباب التي جعلت المسلمين الأوائل بقيادة النبي محمد “صلى الله عليه وآله”، يبنون أمة قوية متماسكة، استطاعت أن تصبح (خير أمة) في ذلك العهد، وتمكن أولئك المسلمون من مضاهاة أعظم الدول في وقتهم، بل تمكنوا من تقديم النموذج الذي يتفوق عليهم.
تُرى ما هي تلك الأسباب، وأي نوع من الرجال والعقول تلك التي جعلت من المسلمين في مقدمة الأمم، ليس في مجال القوة والتفوق العسكري وحده، وإنما في المجالات الأخلاقية والمعنوية وتقديم النماذج المتحضرة للإنسانية كلها، فحين كان يدخل المسلمون الدول الأخرى فاتحين، فسرعان ما يحب شعوب تلك الأمم المسلمين، لأنهم يحملون من القيم الإنسانية، ما يؤهلّهم لهذا التقدير والمكانة العالية من قبل الآخرين.
أما مصدر المسلمين ومن أين حصلوا على الصفات الكبيرة التي امتزجت بشخصياتهم، وجعلتهم متميزين بأخلاقهم وسلوكياتهم، فإنه القرآن الكريم الذي نهل منه المسلمون، الكثير من صفاتهم وأخلاقياتهم وقيمهم، بالإضافة إلى أنهم عاصروا أئمة أهل البيت وأخذوا من أفكارهم ومبادئهم وشخصياتهم كنماذج يحتذون بها ويسيرون في هدْيِها.
لقد تحول ذلك المجتمع الجاهلي الذي كان يعيش في شبه الجزيرة العربية، بفضل الإسلام، وبفضل الرسالة النبوية إلى قيم تعاكس تماما تلك القيم والعادات التي كانت تقوم عليها علاقاتهم وحياتهم، حيث كان الجهل يغلّف عقولهم ونفوسهم بالأغلال والأحقاد، فجاء رسول الله ليزيل في لغة القرآن ومضامينه ونوره تلك الظلمات وينقل هذه الأمة إلى النور فبات أفرادها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وتمسكوا أكثر بالقيم التي جاء بها النبي، ونشرها بين الناس، فصاروا أكثر تماسكا، وازدهرت القيم بينهم، فباتوا ينهون عن المنكر، ويلتزمون بما يريده الله تعالى، وينفذون ما تحلله الأحكام الشرعية، ويبتعدون عن السلوكيات المنحرفة، ويرفضون الظلم، ويسعون للرأفة بالآخرين، لهذا كافأهم الله تعالى بالانتصار والتميز على الأمم والدول التي كانت موجودة معهم آنذاك.
وكما هو الحال مع أية أمة أو مجتمع آخر، فإن السيئين لا يغيبون عن الجمع، وأنهم حاضرون دائما، لهم دورهم الخبيث المؤذي، وقد كانوا موجودين بالفعل في عهد الرسول “صلى الله عليه وآله”، وكان دور المنافقين معطلا للتقدم السياسي والاجتماعي والفكري، بسبب المشكلات التي سعى لخلقها هؤلاء المنافقون.
ولكن الناس الطيبين كثيرون، وكان التقدم والتطور السريع للأمة الإسلامية يحصل بجهودهم الكبيرة، وبما يقدمونه من المساندة والاستبسال، من أجل تحقيق الخير والسعادة ليس للمسلمين وحدهم وإنما للناس جميعا حتى من الأمم الأخرى، ولهذا السبب نصر الله هؤلاء الرجال الأخيار، وانتصر الإسلام بهم وانتشر إلى دول كثيرة وبعيدة عن دولة المسلمين.
بهذه النوعية من الرجال الأصلاء، استطاع قائد المسلمين، الرسول الكريم، أن يبني أعظم دوله آنذاك، وفي أقصر وقت، حيث تحتاج الدول لمئات أو عشرات السنين كي تُبنى جيدا، ولكن في غضون عشرين عاما تصاعد الصرح العظيم لأمة المسلمين التي امتدت في مشارق ومغارب الأرض، وتمددت نحو أصقاع نائية بل في غاية البعد.
هكذا كان رجال النبي “صلى الله عليه وآله”، يحملون من الصفات العظيمة الكثير الكثير، فحملوا أنبل الصفات، وأكثرها قوة ورصانة، فكانت التقوى على سبيل المثال إحدى أهم الصفات التي تحلى بها المسلمون، مما جعلهم محط إعجاب واحترام ومحبة جميع الأقوام التي وصلها المسلمون، ويفترَض من الناس أن تكره الغرباء، لكنهم على العكس من ذلك أحبوهم.
لماذا لأن هؤلاء الرجاء تربوا التربية الأخلاقية المبدئية السليمة، وجعلوا من الرسول “صلى الله عليه وآله” أسوتهم وقدوتهم، وتعلموا على يديه جميع قيم الاستقامة التي جعلت منهم مقاتلين مؤمنين يحملون قلوب الخير والإيمان والمساواة بين جميع البشر دون استثناء، فلم يؤذوا أحدا ولم يتجاوزوا حرمة الناس ولا الحيوان بل حتى النبات لم تطله أية حالة من الأذى.



