السيدة فاطمة الزهراء (ع) قدوة للعالمين

أحمد عبد زيد الجبوري..
تُعتبر السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أعظم الشخصيات في التأريخ الإسلامي، حيث جسدت في حياتها أسمى معاني التقوى والعبادة، وكانت مثالا يُحتذى به في الصبر والتحمل والاهتمام بالأسرة، والكرم والعطاء، لم تكن حياتها مليئة بالدروس والعبر للنساء فقط، بل للرجال أيضا، مما يجعلها أنموذجا مثاليا يستفاد منه في بناء مجتمع متماسك ومستقر.
التقوى والعبادة
من خلال عبادتها الصادقة ودعائها الخاشع، علمتنا السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أن العبادة ليست مجرد طقوس، بل هي وسيلة للتقرب إلى الله عز وجل وكيف لنا ان ندعو الله بإخلاص وتواضع، وان نثق في استجابة دعائنا، مما يعزز من إيماننا ويقوي علاقتنا بالله حتى ورد في احد ادعيتها تقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى والعمل بما تحب وترضى اللهم إني أسألك من قوتك لضعفنا، ومن غناك لفقرنا وفاقتنا، ومن حلمك وعلمك لجهلنا، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وأعنا على شكرك وذكرك، وطاعتك وعبادتك برحمتك يا أرحم الراحمين).
هذا الدعاء الجميل يعبر عن طلب العبد من الله تعالى أن يمنحه الهداية والتقوى والعفاف والغنى، وأن يوفقه للعمل بما يحب ويرضى ففي اللغة العربية، يستخدم مصطلح (الهدى) للإشارة إلى الهداية التي تأتي من الله عز وجل، والتي تقود الإنسان إلى الصواب في أمور الدين والدنيا، الهداية الإلهية هي التي تنير درب المؤمن وتوجهه نحو الإيمان والعمل الصالح، كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قل إن هدى الله هو الهدى) مما يؤكد أن الهداية التي يمنحها الله هي الهداية الحقيقية والصحيحة.
فالهداية تشمل جوانب متعددة من حياة الإنسان، فهي ليست مقتصرة على الأمور الدينية فقط، بل تمتد لتشمل كل ما يتعلق بحياة الإنسان اليومية، وهي تقود الإنسان إلى اتخاذ القرارات الصائبة، وتجنب الأخطاء، والسير على طريق الحق والعدل، إنها نعمة عظيمة تتطلب من الإنسان الشكر والامتنان، والسعي الدائم لطلب المزيد منها، وهذا لا يكون الا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
في الجملة الثانية من الدعاء، طلبت السيدة الزهراء (عليها السلام) من الله أن يرزقها التقى بقولها: (اللهم إني أسألك التقى)، إذا تأملنا في مفهوم التقى في اللغة العربية، نجد أنه يعبر عن الخوف من الله والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، مما يجعله من الصفات الحميدة التي تمدح في الإنسان، فالتقى ليس مجرد شعور بالخوف، بل هو التزام عملي يظهر في سلوك الإنسان وأفعاله اليومية.
وهو يعكس حالة من الوعي الدائم بحضور الله ومراقبته، مما يدفع الإنسان إلى التصرف بحذر وحرص على الالتزام بما يُرضي الله عز وجل، ففي القرآن الكريم، وردت كلمة (التقى) لتعبر عن هذا المعنى السامي، كما في قوله تعالى: (وسيُجنَّبُها الأتقى)، مما يشير إلى أن التقى هو الذي يجنب الإنسان من الوقوع في المعاصي ويقوده إلى طريق الصلاح.
فالتقى يتجلى في حياة الإنسان من خلال التزامه بالأخلاق الحميدة، والصدق، والأمانة، والعدل، والإحسان إلى الآخرين، إنه يعبر عن حالة من الطهارة القلبية والنقاء الداخلي، التي تنعكس في كل جوانب حياة المؤمن، وتجعل منه قدوة حسنة في المجتمع.
في الجملة الثالثة من الدعاء، طلبت السيدة الزهراء (عليها السلام) من الله أن يرزقها العفاف بقولها: (اللهم إني أسألك العفاف)، فالعفاف هو جوهر الطهارة والنقاء في السلوك والأخلاق، وهو من الصفات الحميدة التي تميز الإنسان المؤمن كما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال: (أفضل العبادة العفاف).
اذ يعبر العفاف عن الامتناع عن كل ما لا يليق قولا أو فعلا، والابتعاد عن الفواحش والمحرمات، مما يعكس التزام الشخص بالقيم والمبادئ الأخلاقية، فكانت الزهراء (عليها السلام) تعلم النساء من حولها أهمية العفاف والحياء، وكانت تشدد على ضرورة الالتزام بهذه القيم كجزء من الإيمان والتقوى، فروي عنها انها قالت: (خير للنساء أن لا يرين الرجال ولا يراهن الرجال)، مما يعكس حرصها على حماية النساء من الفتن والابتعاد عن كل ما يمكن أن يخل بعفافهن.
في مجتمعنا، يعتبر العفاف ركيزة أساسية لبناء علاقات صحية ومستقرة، حيث يسهم في تعزيز الاحترام المتبادل والثقة بين الأفراد، إن العفاف ليس مجرد سلوك ظاهري، بل هو انعكاس لروح نقية وقلب طاهر يسعى دائما للخير والفضيلة كما جاء في قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خيرٌ لهن والله سميع عليم) هذه الآيات تبرز أهمية العفاف في حياة المؤمنين، وتشدد على ضرورة الالتزام بالعفاف كجزء من الإيمان والتقوى.
في الجملة الرابعة من الدعاء، تطلب السيدة الزهراء (عليها السلام) الغنى من الله عز وجل بقولها: (اللهم إني أسألك الغنى)، هذا الدعاء يعكس فهمها العميق لمعنى الغنى في الإسلام، حيث يكون الإنسان غنيا بروحه وقلبه، وليس فقط بماله وممتلكاته، فالغنى في اللغة العربية يعني الاكتفاء واليسر، وهو حالة من الوفرة والثراء التي تجعل الشخص غير محتاج للآخرين.
واذا تعمقنا في مفهوم الغنى نجده ليس مجرد تكديس للثروات المادية، بل هو حالة من الرضا الداخلي والسكينة النفسية، السيدة الزهراء (عليها السلام) كانت تدعو بهذا الدعاء طلبا للغنى الروحي والنفسي، حيث يكون الإنسان راضيا بما قسمه الله له، ويشعر بالطمأنينة والسكينة الداخلية، هذا النوع من الغنى يجعل الإنسان يعيش حياة بسيطة ومتواضعة، متمسكا بالقيم الإسلامية في كل جوانب حياته.
فكانت مثالا للتواضع والزهد، حيث عاشت حياة بسيطة بعيدة عن الترف والبذخ، متمسكة بالقيم الإسلامية التي تدعو إلى القناعة والرضا بما قسمه الله، فالغنى الروحي والنفسي هو ما يجعل الإنسان يشعر بالاكتفاء والرضا، ويمنحه القوة لمواجهة تحديات الحياة بثبات وإيمان.



