اخر الأخباراوراق المراقب

صفات شيعة الزَّهراء عليها السلام

في حديث نبوي عظيم، يصف رسولُ اللهِ محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يحدث في يوم القيامة، حيث ينقل لنا مشهدًا فريدًا يتعلق بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ إذ يقول”.
فيوحي اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليها: يا فاطمةُ سَليني أُعطِكِ، وتمنَّي علَيّ أُرْضِكِ، فتقول: إلهي، أنت المُنى وفوق المُنى، أسألك أن لا تعذِّب مُحبّيَّ ومُحبّي عترتي بالنَّار، فيُوحى اللَّه إليها: يا فاطمة، وعزَّتي وجلالي وارتفاع مكاني، لقد آليتُ على نفسي مِن قَبلِ أن أخلقَ السَّماوات والأرض بألفَي عام، أن لا أُعذِّبَ مُحبِّيك ومُحبِّي عترتك بالنَّار”.
فهل يوجد كرم أعلى من هذا الكرم؟
إنَّه لفاطمة الزهراء (عليها السلام) ومن يتشيَّعُ لها، ومن يواليها، ومن يتمسكُ بها، ولكن السؤال المهم في هذا الموضوع ما هي صفات وأخلاق وأعمال محبِّي فاطمة (عليها السلام) حتَّى يحظوا بهذا العطاء؟
والجواب على ذلك: إنَّ الصِّفات هي:
أوَّلًا: سلامة العقيدة.
إنَّ سلامة العقيدة من الشوائب تُعدّ من الركائز الأساسية التي تميز محبي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؛ فالعقيدة الصَّحيحة هي ما يُبنى عليها الولاء الحقيقي لأهل البيت (عليهم السلام)، وهي شرط أساسي للثبات في دربهم، وفي هذا السِّياق يذكرُ الإمامُ الباقرُ (عليه السلام) حديثًا عظيمًا:” ينادي مناد يوم القيامة: أين المحبونَ لعلي؟ فيقومونَ من كلِّ فج عميق، فيقال لهم: من أنتم؟
قالوا: نحن المحبونَ لعليٍ (عليه السلام) الخالصونَ له حبًا، فيقال: فتشركونَ في حبِّه أحدًا من النَّاس؟
فيقولون: لا، فيقال لهم: ادخلوا الجنَّة أنتم وأزواجكم تحبرون.
فهذا الإخلاص في الحبِّ هو ما يميِّزُ محبي أهل البيت (عليهم السلام) ويدخلُهم إلى الجنَّة حيث يسيرونَ على صراطِ العقيدةِ النَّقية التي لا تشوبُها شبهة.
ثانيًا: التَّطبيق العملي لأوامرهم واجتناب نواهيهم (عليهم السلام).
يتمثَّلُ البعدُ العملي في العمل بما أمرَ به أهلُ البيت (صلوات الله عليهم)، والابتعاد عمَّا نهوا عنه؛ فالمحبَّةُ الحقيقيةُ لأهلِ البيت (عليهم السلام) لا تقتصر على الكلمات والتَّبجيل، بل تتجسد في التَّطبيق العملي لأوامرهم والابتعاد عن نواهيهم.

” قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: اذْهَبِي إِلَى فَاطِمَةَ عليها السلام بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فَسَلِيهَا عَنِّي، أَنَا مِنْ شِيعَتِكُمْ، أَوَ لَسْتُ مِنْ شِيعَتِكُمْ.
فَسَأَلَتْهَا، فَقَالَتْ عليها السلام: قُولِي لَهُ: إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ بِمَا أَمَرْنَاكَ، وَتَنْتَهِي عَمَّا زَجَرْنَاكَ عَنْهُ فَأَنْتَ مِنْ شِيعَتِنَا، وَإِلَّا فَلَا.
فَرَجَعْتُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: يَا وَيْلِي – وَمَنْ يَنْفَكُّ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، فَأَنَا إِذَنْ خَالِدٌ فِي النَّارِ، فَإِنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ شِيعَتِهِمْ فَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ.
فَرَجَعَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَتْ لِفَاطِمَةَ عليها السلام مَا قَالَ لَهَا زَوْجُهَا.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام: قُولِي لَهُ: لَيْسَ هَكَذَا [فَإِنَّ] شِيعَتَنَا مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَكُلُّ مُحِبِّينَا وَمُوَالِي أَوْلِيَائِنَا، وَمُعَادِي أَعْدَائِنَا، وَالْمُسَلِّمُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ لَنَا – لَيْسُوا مِنْ شِيعَتِنَا إِذَا خَالَفُوا أَوَامِرَنَا وَنَوَاهِيَنَا – فِي سَائِرِ الْمُوبِقَاتِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، وَلَكِنْ بَعْدَ مَا يُطَهَّرُونَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِالْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، أَوْ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ بِأَنْوَاعِ شَدَائِدِهَا، أَوْ فِي الطَّبَقِ الْأَعْلَى مِنْ جَهَنَّمَ بِعَذَابِهَا – إِلَى أَنْ نَسْتَنْقِذَهُمْ – بِحُبِّنَا – مِنْهَا، وَنَنْقُلَهُمْ إِلَى حَضْرَتِنَا.
ومن هذا الحديث نعلمُ أنَّ الشِّيعي الحقيقي هو من يلتزم بتعاليم أهلِ البيت (عليهم السلام) في كافَّة جوانب حياته، ويعمل بأوامرهم ويتجنب نواهيهم، لكن مع ذلك، إذا وقع في الأخطاء، فإنَّ حبَّ أهلِ البيت (عليهم السلام) له طريق للتطهير والرَّحمة التي تُنقذه في النِّهاية من عذابِ النَّار.
ثالثًا: مشاركة أهل البيت (عليهم أفضل التحية والسلام) أفراحهم وأحزانهم،
إنَّ حبَّ الشِّيعة لأهلِ البيتِ (عليهم السلام) يجب أن يكونَ متجسدًا في جميعِ جوانبِ حياتِهم، من خلال التَّضامن معهم والتَّفاعل مع مناسباتهم العاطفية من أفراح وأحزان؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد التعبير بالقول، بل يجب أن ينعكسَ ذلكَ في الأعمالِ والتَّصرفات، مثل إحياء ذكرى مولدهم ووفاتهم، وتقديم الدَّعم في كلِّ ما يخصهم؛ فقد قال أميرُ المؤمنينَ عليٌّ (صلوات الله عليه): “إنَّ الله تعالى اطلعَ إلى الأرضِ فاختارَ لنا شيعة ينصروننا، ويفرحونَ لفرحِنا، ويحزنونَ لحزنِنا، ويبذلونَ أنفسَهم وأموالَهم فينا، فأولئكَ منَّا وهم معنا في الجِنَانِ.
وختامًا…

لم تكنْ الزَّهراء (عليها السلام) مجرد امرأة ذاتَ موقف تاريخي، بل كانت مدرسة الأخلاقِ، والشَّجاعةِ، والعدالةِ، والتَّمسك بالحقِّ في كلِّ الظُّروف، وإذا أردتَ أن تكونَ من الذينَ ترضى عنهم السيدةُ فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فعليكَ أن تتبعَ أوامرَ أهلِ البيت (صلوات الله عليهم) وتجنب ما نهوا عنه، وأن تكونَ عقيدتَكَ خالصة وسليمة تجاههم، ولا تشرك في محبتهم أحدًا من أعدائهم، بل اجعل قلبك مليئًا بولايتهم وإخلاصك لهم، وافرح لفرحهم واحزن لحزنهم، وكن دائمًا في موضعِ الانتصار لهم في كلِّ وقت وموقف؛ وبهذه الطريقة -إن شاء الله (تبارك وتعالى)-، ستنال شفاعتَهم ورضاهم (عليهم السلام)، وتكون من المقربينَ في جنانِ النَّعيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى