اخر الأخباراوراق المراقب

الاجتهاد منبع الحداثة في الفكر الإسلامي

زكي الميلاد..

المقاربة بين الحداثة والاجتهاد من المقاربات الفكرية والمعرفية الجادَّة والمهمَّة، وأظن أنها تتّسم بقدر من الإثارة والدهشة ولا تخلو من طرافة، وهي بالتأكيد ليست من نمط المقاربات العادية والعابرة، كما أنها ليست من نمط المقاربات السهلة والبسيطة، ولا من نمط المقاربات الضحلة والهشّة.

وعلى ما أعلم فإن هذه المقاربة هي من المقاربات الجديدة التي لم تُطرق عربيًّا في حقل الدراسات الفكرية والنقدية، ويصدق عليها من هذه الجهة أنها من المقاربات اللامفكر فيها؛ لذا فهي بحاجة إلى مزيد من البحث والنظر المنهجي والمعرفي، وإلى مزيد من التذاكر والتفاكر بين المشتغلين في البحث الفكري والمعرفي.

ونحن بحاجة إلى هذا النمط من المقاربات الفكرية، التي نكتشفها بأنفسنا، ونبتكرها من داخلنا، وتعبّر عن قدرتنا على الاجتهاد الفكري، وتدفع بنا نحو اليقظة الفكرية، بدل الانشغال والافتتان بالمقاربات الوافدة علينا من خارج مجالنا الفكري والتأريخي، والتي تشعرنا بالضعف والتبعية والكسل الفكري والمعرفي.

ولعل ما يعترضنا في هذه المقاربة، أننا أمام مفهوم يكاد يكون منطفئًا هو مفهوم الاجتهاد، أو هكذا يبدو، فهو المفهوم الذي أُعلن إغلاق بابه منذ وقت مبكر في سيرة المدرسة الإسلامية السُّنية، مقابل مفهوم متَّقد وحيوي وفعّال هو مفهوم الحداثة، كما أننا أمام مفهوم ينتمي إلى حضارة مغلوبة هي الحضارة الإسلامية، مقابل مفهوم ينتمي إلى حضارة غالبة هي الحضارة الغربية.

لهذا من الصعب علينا، وفي مثل حالتنا الفكرية والحضارية الراهنة تخيُّل هذه المقاربة، وإعمال الخيال فيها، وجعلها في دائرة البحث والنظر، ولعل من الصعب علينا أيضًا لفت انتباه الآخرين من خارج مجالنا الفكري والحضاري إلى مثل هذه المقاربة، وتقريبها إلى دائرة البحث والنظر عندهم، وفي ساحتهم الفكرية والمعرفية.

هذه هي عادة سيرة العلاقة بين الغالب والمغلوب، التابع والمتبوع، المتقدّم والمتأخّر، فالغالب وبتأثير الإحساس بالتفوُّق فإنه لا يتواضع للمغلوب، ويصعب عليه الاعتراف له بالتقدّم أو التفوّق عليه، وأما المغلوب وحسب القاعدة الخلدونية التي ما زالت سارية المفعول، فإنه لا يتبع الغالب فحسب، وإنما قد يصل به الحال إلى أن يكون مولعًا باتِّباعه، والولع يحصل عن تقبُّل ورغبة، ظنًّا بأن هذا السلوك يماهي بين المغلوب والغالب، ويضع المغلوب في طريق الغالب، بوصفه طريق التقدّم والتمدّن.

وتستند هذه المقاربة في إطارها الكلي، إلى أن الحداثة تتكوَّن من ثلاثة عناصر أساسية وجوهرية ومترابطة لا تقبل التجزئة والتفكّك، وهي: العقل والعلم والزمن، وهذه العناصر الثلاثة بتمامها هي العناصر المكوِّنة لمفهوم الاجتهاد، بالشكل الذي جاز لنا القول بأن مفهوم الاجتهاد في المجال الإسلامي، هو المفهوم الذي يعادل أو بإمكانه أن يعادل مفهوم الحداثة في المجال الغربي.

وما يعترضنا في هذه الشأن، أن هذه العناصر الثلاثة هي عناصر واضحة ومتجلِّية ومنكشفة في مفهوم الحداثة، لكنها في مفهوم الاجتهاد ليست بذلك الوضوح والتجلِّي والانكشاف، وهي بحاجة إلى برهنة وإثبات، وهذا ما سنقوم به، وقبل ذلك نحن بحاجة إلى استجلاء هذه العناصر في مفهوم الحداثة.

يمثّل مفهوم الحداثة مفهومًا مرجعيًّا ومركزيًّا في نظام الفكر الغربي الحديث والمعاصر، وهذا ما يفسر الجانب الكمي والنوعي من الكتابات والدراسات الممتدة والمتراكمة حول هذا المفهوم، وعلى تعدّد وتنوّع حقول وميادين هذه الكتابات والدراسات، التي جعلت هذا المفهوم يصبح مفهومًا ثريًّا في حقله الدلالي، ومنكشفًا في حكمته وفلسفته، عناصره ومكوناته، ملامحه وسماته، علائقه وتداخلاته.

لهذا من السهل الكشف عن علاقة الحداثة بتلك العناصر الثلاثة، فمن جهة العلاقة بالعقل فهي علاقة بجوهر ثابت فيها، علمًا أن أكبر فاعل في الحداثة وأعظم مكوّن لها هو العقل، فقد بدأت الحداثة من مبدأ الانتصار للعقل، وسيادة العقل، وتنصب العقل كمحكمة عليا حسب قول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (1724-1804م)، وجاءت لتعلن الانتصار النهائي والحاسم والحتمي للعقل في ساحة الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر.

هذه العلاقة بين الحداثة والعقل، أوضحها بدرجة كبيرة ودافع عنها عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين في كتابه (نقد الحداثة)، فقد ظل يعرف الحداثة ويناقشها ويقلب صورها، كل ذلك من جهة علاقتها بالعقل والعقلنة.

فحين تساءل في السطر الأول من مقدمة كتابه: ما الحداثة؟

أمام هذا السؤال المركزي وجد تورين أن تعريف فكرة الحداثة لن يكون بعيدًا عن فكرة الانتصار للعقل، مبرهنًا على ذلك ومعتبرًا أن «العقل هو الذي يبعث الحياة في العلم وتطبيقاته، وهو الذي يحكم أيضًا تكيّف الحياة الاجتماعية الحاجات الفردية أو الجماعية، وهو الذي يحل دول القانون والسوق محل التعسُّف والعنف، وحين تتصرف الإنسانية بحسب قوانينه تتقدّم في آن واحد نحو الوفرة والحرية والسعادة».

ويرى تورين أن أقوى تصوّر غربي للحداثة، هو التصوّر الذي تقترن فيه الحداثة بالعقلنة، وحسب قوله: «إن أقوى تصوّر غربي للحداثة، التصوّر الذي كان له أعمق الآثار، قد أكد أن العقلنة تفرض هدم العلاقات الاجتماعية والعواطف والأعراف والمعتقدات التي تُدعى تقليدية، وأن عامل التحديث ليس فئة أو طبقة اجتماعية خاصة، وإنما هو العقل نفسه والضرورة التأريخية التي تمهِّد لانتصاره، وهكذا فإن العقلنة وهي مكوّن لابد منه للحداثة، تصبح فضلًا عن ذلك آلية تلقائية وضرورية للتحديث».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى