ستراتيجية البحث عن قراءة منتجة في رواية «جريمة في الفيس بوك» للروائي علاء مشذوب


حيدر جمعة العابدي
استطاعت الرواية العراقية ما بعد التغيير بفضل تضافر جميع العوامل السياسية والاقتصادية والاجتما0عية تحقيق جملة من المكتسبات الفنية والفكرية التي أتاحت لها التميز على استيلاد خصوصية شملت بنيتها التخيلية والمرجعية، وذلك من خلال السعي الحثيث للبحث عن طرق وأساليب سردية جديدة وفاعلة تضمن لها الخصوصية والريادة في جنس الرواية، كما الريادة في الشعر، وهو ما دفع الروائي العراقي للبحث عن استراتجيات سردية مختلفة قادرة على كسر نمط العلاقات السائدة بين الواقع والمتخيل وذلك عبر سعيها الحثيث على كسر رتابة الواقعي بالافتراضي، وثبات الشكل بالمتغير الموضوع، وهو ما أتاح حرية نسبية مكنت الروائي العراقي من استثمار مناخات الحداثة وما بعد الحداثة استثمارا فاعلاً، تعتمد المواءمة والخلق على المحاكاة والتقليد، والتوطين والتأصيل على التنظير والتلقين، أسهم في إحداث خرق وتجاوز لكل الأشكال القديمة في السرد عبر تفتيت التجانس في النص، وتهشيم أحادية اللغة التي تعتمد القيم الشاملة والمواقف القطعية، وتحوير الشكل من خلال تضمين النص مستويات لغوية مختلفة ومتعددة مثل الشعر، والميتا سرد التخيل، وتنوع أشكال وتقنيات الوصف.. الخ، وهو ما يعكس استراتيجية الكاتب العراقي للبحث عن توليد رؤية تجديدية منتجة تتفاعل مع أسئلة الحاضر وتستشرف المستقبل عبر سبره لفضاءات سردية ذات أنساق تخيلية مختلفة ومرجعية جديدة.
تمثل رواية (جريمة في الفيس بوك) لعلاء مشذوب، الصادرة عن دار عدنان لسنة 2015، موقفا سرديا مائزا تجاه ما هو سائد من النصوص من خلال تشظي الحدث وتداخل وتداعي الزمان والمكان وتكثيف الصورة، والتنا صات والإيقاع السردي، يعود ذلك لاشتراحها مناطق اشتغال مختلفة (فيس بوك) بكل ما يتوفر عليه من عمليات تقنية، ومحمولات فكرية، ونفسية، واجتماعية، إضافة إلى مجاله المتخيل (افتراض)، لذا يتم استثماره إجرائيا وبحثيا في توليد سرد سسيو نصي ذي فضاء حكائي لإنتاج رؤية أعمق تجاه ما يطلق عليه بالافتراض عبر كسر المسافة الفنية المتخيلة ما بين الواقع/ الافتراض بفعل التواصل والتداول والحوار عبر وسيط (اللغة) القادرة على أحداث مثل هذا الخرق للعلاقة بين الواقع والمتخيل، لذا تتضح هذه الاستراتيجية الفنية منذ العتبة الأولى العنوان (جريمة في الفيس بوك) كونه يحيل كدلالة ومعنى رمزي إلى عالمين منفصلين من حيث الشكل ومتصلين من حيث المضمون، فدلالة الجريمة هي دلالة عامة تعني حدوث انتهاك ما في زمان ومكان معين. لذا نحن أمام حدث واقعي منفصل تجاه الأحداث الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية. أما الجزء الثاني وهو مكان الجريمة في الفيس بوك الذي يعني التواصل مع المتصل للبحث في أبعاد وأسباب الجريمة، لذا يشكل فعل اتصال وتواصل مع الرأي العام الفيس بوك (المتلقي) ومواقع التواصل التي حولت العالم إلى شاشة صغيرة.
يفتتح الراوي/ المؤلف الرواية بقصة مقتل صديقه احمد الفيسوي، لتكون الخيط الناظم لجميع أحداث ومفاصل الرواية، والتي تنفتح على عدة قصص مختلفة، وذلك لمد زمن الرواية. فبعد ما نشرت زوجة احمد خبر وفاته بظروف غامضة أثناء رحلته إلى كولومبيا يجري على أثرها تحقيق مع الراوي كونه احد أصدقاء احمد عن طريق ما يطلق عليه (البوليس الفيسوي)، في محاولة منهم لجمع معلومات عن كل من له علاقة بالقتيل (وجدت رسالة من البوليس الفيسوي) ص 14. وبما إن فعل التقصي يكون عبر مواقع التواصل (الفيس بوك) بكل ما يمثله من عوالم مشتتة وأحداث مختلفة: سياسية، اجتماعية، اقتصادية، أخلاقية، وثقافية.. الخ، كان لا بد للسارد أن يصطدم بأحداث أخرى مثل قصة اعترافات جسد مفخخ التي تأخذ شكل سيرة ذاتية، لكن في مضمونها تكون مرآة عاكسة لنمط ثقافي واجتماعي سائد يرفض التجديد والإصلاح، وتتلخص في اعترافات شاب يروي كيف دفعه والده للالتحاق بجماعات ما يعرف بالجهاد في أفغانستان، وكيف تمت عملية تجنيده وممارسته لأول عملية جنسية والأدوار التي شغلها في التنظيم، والأبعاد النفسية والاجتماعية التي جعلت منه انتحارياً قاتلاً للحياة (طرق والدي باب غرفتي ثم دخل، وجدني حائرا وأنا أنظر إلى نفسي من خلال المرآة، وقد علمت فيما بعد أن شيخي قد اتصل به يخبره عن ردة فعلي وأن معالم الرفض كانت بادية عليّ) ص 49. أما قصة محتجزة وهي القصة الثالثة ذات البعد الاجتماعي والنفسي فتندرج ضمن إطار المسكوت عنه في المجتمعات ذات البعد الديني والأخلاقي المتزمت، والذي يعكس واقع العلاقة بين المرأة والرجل في المجتمعات العربية، والتي غالباً ما تكون لصالح الرجل على حساب المرأة، يتضح ذلك جليا في اتصال بين الراوي والمحتجزة (الارتجاف يعتري حشرجاته، لم يكن صوتا رجاليا، كانت فتاة هامسة ضائعة تبحث عن شيء تكلمه) ص113.
استراتيجية القراءة
إن استراتيجية التسريد المتبعة عند الراوي/ الكاتب في اغلب مفاصلها الرئيسة تتحرك على وفق خطين متوازيين: الخط الأول هو الخط الواقعي المباشر خط الجريمة، قتل احمد الشاعر الجوال على يد مجموعات إرهابية، جريمة الشاب الذي يلتحق بالجماعات الإرهابية ليفجر نفسه والتي تظهر على شكل اعترافات في مواقع التواصل الاجتماعي، وجريمة الفتاة التي تغتصب من زوج أختها وتمارس الشذوذ مع جارتها بسبب القمع الأسري، والتي تدور أحداثها عبر الهاتف، وهو خط يعتمد في سيره على أحداث معلنة ومباشرة انتهاك وقتل (واقع)، أما الخط الثاني فهو الخط غير المباشر (افتراض) الفيس بوك والذي يتم من خلاله الكشف عن خفايا وأسباب هذه الجرائم والتي غالبا ما تفضح وتعري الكثير من طبيعة الأنساق الثقافية المضمرة ذات الاتجاه الأبوي والذكوري السائد في مجتمعاتنا العربية بكل ما تحمله من عدائية للآخر المختلف الطفل، والمرأة، والفنان، والتي تزيل اللثام عن حجم الظلم والانتهاك الاجتماعي غير المعلن، وهو ما يبرز وبشكل واضح قصدية الكاتب من جمع شتات الأحداث بكل أبعادها واختلاف مسمياتها ضمن أطار عام (الجريمة) لا بوصفها فعلا إجراميا جنائيا فقط، بل كونها تحيل إلى أنساق ثقافية مضمرة تعتمد الانتهاك والإقصاء الاجتماعي كحل وجودي. وعليه سعت هذه القراءة لنقد وفضح وتعرية هذه الأنساق بكل مرجعياتها الاجتماعية والدينية والتي أسهمت في تكريس حالة التردي والتراجع الإنساني والمعرفي الذي يبرر فعل الإقصاء لكل أشكال الاختلاف بحجة المقدس والمدنس، لكن عبر عالم الافتراض الفيس بوك الذي تخطى كل العقبات الاجتماعية الممنوع/ المحرم والذي بات يمثل منبرا ثقافيا حرا لنقد وشجب كل أشكال القمع الاجتماعي والسياسي والفكري الذي تعيشه هذه المجتمعات المغلقة. لذا كانت إستراتيجية السرد عند علاء مشذوب تتخذ من تيار ما بعد الحداثة مرجعية فكرية ورمزية، استطاعت تكسير الحدود ما بين الواقع والافتراض، بل وكشفت عن إن الواقع ما هو إلا مجموعة افتراضات أصبحت بفعل التداول والتواصل واقعا سائدا اليوم، له مرجعياته الرمزية والاجتماعية.
لذا فان استراتيجية البحث عن قراءة منتجة لدى علاء مشذوب تتبلور في عملية انتاج وتوليد لعلاقات جديدة تنبثق من رحم العلاقات القديمة الثابتة، فما بين الواقع والافتراض تولد لغة رمزية جديدة، وبين المتن والهامش تولد علاقة نصية مختلفة، وبين المركز والأطراف تولد رؤية نقدية لكل أشكال السلطة، وبين العالم والتلقي تولد علاقة تواصل وحوار واختراق للسائد.



