اخر الأخباراوراق المراقب

الصراط المستقيم بين المنهج والنموذج

حينما يعرف الإنسان الحقّ، ويُعرض عنه لوجود (عوامل) معيّنة تضغط عليه لكي يسلك طريق الضلال عن سابق عمد وتصميم كحبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، وحبّ الرئاسة، وما أشبه ذلك. ويطلق على هذا النوع من الانحراف (الانحراف الواعي).
والقرآن الكريم في الوقت الذي يحدّد في الآيات الأُخَر طبيعة الصراط المستقيم فيقول: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). ويقول: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). ويقول على لسان النبي (صلى الله عليه وآله): (وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
في الوقت ذاته يربط هذا (الصراط المستقيم) بـ(عيّنات خارجيّة) تجسّد السير في هذا الصراط، وتكون نموذجاً يُحتذى به في المسير، فيصف الصراط المستقيم بأنه: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ).
ويقول في آية أُخرى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقد روي عن المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصراط فقال: «هو الطريق إلى معرفة الله عزَّ وجلّ».
وأضاف: «وهما صراطان؛ صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأمّا الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردّى في نار جهنم”.
وقد روي في وصف صراط الآخرة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه: «أَدَقُّ من الشعر وأَحَدُّ من السيف، فمنهم من يمرُّ عليه مثل البرق، ومنهم من يمرُّ عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمرّ عليه ماشياً، ومنهم من يمرّ عليه حبواً، ومنهم من يمرُّ عليه متعلّقاً فتأخذ النار منه شيئاً وتترك منه شيئاً”.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) يعني: محمّداً وذرّيته صلوات الله عليهم.
ذلك أنّ هنالك حقيقتين:
1 ـ المنهج.
2 ـ النموذج.
فالمنهج يتمثّل في الإطار النظري للدين.
أمّا النموذج فيتمثّل في التطبيق الخارجي للدين.
والمنهج لا يستطيع بمفرده أن يحرّك الأجيال.. كما لا يمكن أن يحدّد بوضوح كاملٍ معالم الطريق.
ومن هنا جاء الربط القرآني بين (المنهج) و(النموذج) في هاتين الآيتين الكريمتين.
مَنْ هم الذين أنعم الله عليهم؟
لا يوجد هنالك شخص إلاّ وهو مغمور بالنعم الإلهية، ولا أقلّ من نعمة (الوجود)، فكلّ البشر من (الذين أنعم الله عليهم)، إلاّ أنّ النعم لها درجات فهنالك نعمة (الهداية الربانية)، وهنالك نَعِم (الجاه والثروة والصحّة و.. و..). وهذه النِّعم وإن كانت نعِماً عندما ينظر إليها في حدّ ذاتها، إلاّ أنّها لا تعتبر شيئاً عندما تقاس بنعمة الهداية الإلهيّة.. لسمّو مقامها، ودوام آثارها، بعكس النِّعم الأُخرى؛ إذ أنّها وإن كانت نعِماً عندما ننظر إليها نظرة (ذاتية) إلاَّ أنها لا تعتبر كذلك عندما ننظر إليها بنظرة (قياسية)، وذلك تنزيلاً لفاقد الوصف ـ أي الكمال ـ منزلة فاقد الأصل ـ أي الذات ـ.
من هنا كان المراد بقوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) النعمة الخاصّة التي اختصّ الله بها أنبياءه وأولياءه، لا النعمة العامّة التي يشترك فيها الجميع.
وقد ورد في الحديث الشريف عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ): «صراط الأنبياء وهم الذين أنعم الله عليهم.
وعن الإمام العسكري (عليه السلام) أنه قال في الآية: «ليس هؤلاء المُنعَم عليهم بالمال وصحّة البدن، وإن كان كلّ هذه نعمة من الله ظاهرة، ألا ترون أنّ هؤلاء قد يكونون كفّاراً أو فسّاقاً، فما ندبتم إلى أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم بالإيمان بالله وتصديق رسوله وبالولاية لمحمّد وآله الطيبين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى