ترامب يعود إلى البيت الأبيض.. هل تدور عجلات قطار التطبيع مجدداً؟

بقلم: السيد شبل..
نجحت عملية “طوفان الأقصى”، التي أطلقتها فصائل المقاومة الفلسطينية في تشرين الأول 2023، بتعطيل مسار التطبيع بين العواصم العربية و”دولة” الاحتلال، إذ أعادت تسليط الضوء على مركزية القضية الفلسطينية في المشهد العربي رغم الشوط الطويل الذي قطعه بعض القادة العرب ضمن اتفاقيات التقارب مع “إسرائيل”، مثل “اتفاقيات إبراهام”، إلا أن هذه العملية أحدثت تغييرات ملحوظة في مواقف بعض الدول والشعوب.
لم يكن قرار كبح الهوس بالتطبيع مع نتنياهو وحكومته صادراً عن الأنظمة بقدر ما كان قرارَ الشعوب التي آمنت بجدوى المقاومة وبقدرتها على إحراز النصر، إذ أظهرت الجماهير العربية دعماً قوياً للقضية الفلسطينية، وخصوصاً في الشهور الأولى التي تلت “طوفان الأقصى”. هذا التأييد عزّز أهمية الطابع الشعبي كعنصر ضاغط على الحكومات للتراجع عن اتفاقيات التطبيع أو إبطاء تنفيذها، فكان للشارع العربي الكلمة الأولى في تحجيم ديناميات التطبيع القائمة، ومنع عواصم أخرى، مثل الرياض، من الولوج إليها.
النظام السعودي كان على وشك توقيع اتفاق تطبيع مع “تل أبيب” برعاية من واشنطن، لكن الحرب في غزة عطّلت تلك المحادثات، إذ أعلنت الرياض أن القضية الفلسطينية لا تزال مركزية في سياستها الخارجية، وخصوصاً مع تزايد الانتقادات الشعبية لتعامل قوات الاحتلال مع أهالي غزة والضفة الغربية خلال العدوان. أما الدول المرتبطة باتفاقيات مع حكومة الاحتلال فلم تجد مفراً من إصدار بيانات تدعو إلى وقف العمليات العسكرية ضد غزة، مع إعادة تقويم علاقاتها بـ”إسرائيل” في ضوء التهديدات التي طالت أمنها القومي ذاته، كما هي الحال مع القاهرة التي تعرّضت لضغوط إسرائيلية لقبول مخطط تهجير أبناء غزة إلى شمالي سيناء.
على الرغم من ذلك فإن حجم الاعتراض الرسمي العربي على جرائم الإبادة الجماعية، التي ترتكبها “إسرائيل”، لم يصل إلى حد التلويح بنقض اتفاقيات التطبيع القائمة، أو تعهد عدم توقيع اتفاقيات جديدة مستقبلاً. ويرجع ذلك إلى أن العقلية الحاكمة للأنظمة العربية تركّز على بُعدين أثناء إدارة علاقاتها الخارجية، هما:
البُعد الأول: هو الروابط بالإدارة الأميركية، بحيث تحرص العواصم العربية على تحسين العلاقات مع واشنطن، وتنمية العلاقات الاقتصادية والسياسية بها، وذلك بدوره يمنعها من اتخاذ أية مواقف تصعيديّة جادة ضد حكومة الاحتلال، تجنباً لإثارة غضب البيت الأبيض.
أمّا البُعد الثاني، فهو مُتعلّق بعدم إيمان الحكومات العربية بجدوى المقاومة أو قدرتها على تحقيق نصر حاسم في مواجهة “جيش” الاحتلال، الذي يمتلك أفضل التقنيات العسكرية، وتدعمه العواصم الغربية، الأكثر ثراءً وتقدماً وحداثة.
ترامب مهندس التطبيع الأول
مع مطلع العام المقبل سيكون تنصيب دونالد ترامب رسمياً رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. تأتي تلك الخطوة في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق في قطاع غزة وجنوبي لبنان وعدد من المواقع الأخرى، التي تشهد نشاطاً لحركات المقاومة، ويريد نتنياهو أن يُمهّد الطريق أمام الإدارة الأميركية الجديدة كي تضغط مجدداً على السياسة العربية، لتصير مسألة قبول “إسرائيل” والاعتراف بها وإقامة علاقات طبيعية معها، مسألة مفروغاً منها، في ضوء ما تسعى له “تل أبيب” من هيمنة عسكرية على المنطقة، والإيهام بقدرتها على “تأديب” كل من يخالف تلك المزاعم المتعلقة بـ”السيادة العسكرية“.
خلال فترة رئاسة ترامب الأولى (2017 – 2021)، مارس عدداً من الضغوطات، وتصدّر عدداً لا بأس فيه من التحديات الدولية، لرعاية عدة مبادرات واتفاقيات لتطبيع العلاقات بين العواصم العربية و”تل أبيب”، أبرزها:
1ـ اتفاقيات إبراهام (2020):
إذ تم التوقيع على اتفاقيات سلام بين كيان الاحتلال وكل من أبو ظبي والمنامة. ولاحقاً، انضمت الخرطوم والرباط إلى الاتفاقيات. وأدت إدارة ترامب الدور الرئيس في عمليات الوساطة، إذ استُخدمت الإغراءات الاقتصادية والسياسية، كما هي الحال في القرار برفع العقوبات عن السودان، أو الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل التطبيع.
2– رعاية المحادثات بين الرياض و”تل أبيب“:
على رغم أن السعودية لم تطبّع رسمياً خلال فترة ترامب الأولى، فإن إدارته عملت على تحسين العلاقة بين النظام السعودي وحكومة الاحتلال، وهو ما مهّد الطريق لتعاون غير معلن في بعض المجالات، مثل الأمن والتكنولوجيا.
3– نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان:
وهما القراران اللذان أثارا غضباً عربياً واسع النطاق، لكنهما شكلا دفعة رمزية كبيرة للكيان الإسرائيلي، كما مهدت تلك الخطوة تحالفات أعمق بين واشنطن و”تل أبيب” والعواصم العربية التي تسعى للتطبيع.
4ـ – تقليص الدعم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا):
وهو القرار الذي اتخذته إدارة ترامب خلال صيف عام 2018، وشكّل ضغطاً على الحركات الفلسطينية لقبول خطط السلام المطروحة، مثل “صفقة القرن”، التي تضمنت تطبيعاً أوسع مع الاحتلال.
مشاريع ترامب خلال فترة ولايته الجديدة
من اللافت للنظر ارتياح قطاع كبير ممن يشكلون الجبهة المعادية للمقاومة ومحورها إلى نجاح دونالد ترمب في الانتخابات الأميركية. البعض يفسّر ذلك بسابق المعرفة بين الأنظمة العربية، الخليجية بالتحديد، وبين ترامب، بحيث اختبرته في تجارب سابقة، وأدركت مدى عنفه في استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية للتأثير سلباً في خصومه. لذا، يتوقع عدد من الأوساط الخليجية أن يتبنى ترامب موقفاً أكثر صرامة من سلَفه جو بايدن تجاه طهران.
يعود ترامب، رجل المال والأعمال، إلى السلطة مجدداً في واشنطن، في وقتٍ يشعر اليمين الإسرائيلي بنشوة الانتصار، وأنه أنجز ما أراده داخل قطاع غزة، وخصوصاً على المستوى العسكري، كما نجح في اغتيال صفوة قادة المقاومة. وبالتالي، فإن قرار وقف الحرب سيكون مرهوناً بالثمن الذي تعرضه العواصم العربية، وفق النصائح الأميركية، وليس ثمة عرض أفضل من “الاعتراف الكامل والتطبيع الشامل وتوحيد الصفوف ضد المقاومة“.
وبالتزامن مع تلك الصفقة ستنطلق الأبواق في الإعلام العربي للدفاع عن مشاريع التطبيع، وسيُزعَم أنها تستهدف تحسين حياة الفلسطينيين وضمان ظروف أفضل لهم.



