اغتنام الفرص في الحياة

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن الفرص تمر مرّ السحاب، فانتهزوها إذا أمكنتْ في أبواب الخير، وإلّا عادت ندماً».
إن الإنسان في هذه الدنيا مرهون بساعات عمره من جهة، ومرهون بالزمن المحيط به من جهة أخرى، فلكل منهما قيمة لاتقدر بشيء؛ لأن الإنسان إنما يُقيّم بعمله.
فاللّه عزّ وجلّ يحاسب الإنسان من منظار العمل، كما أن المجتمع يقدر الإنسان ويقيمه من خلال عمله أيضاً. إذن فالعمل هو الجهة المهمة في الإنسان، وعلى أساسها يكون للإنسان الاعتبار، ولكن هذا العمل مرهون بأمرين هما: العمر، والزمن.
ولا يخفى أن العمر يتكون من مجموعة ساعات متلاحقة، فإذا استطاع الإنسان أن يستثمر عمره هذا وساعاته تلك بعمل الخير، فإنه يكون قد ضمن مصيراً سعيداً لنفسه، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن عمرك عدد أنفاسك وعليها رقيب تُحصيها».
فلا يحسب المرء أن لحظات عمره إنما تذهب اعتباطاً وبدون حساب، بل إنها تُسجل عليه، ويسجل كل ما يعمل فيها من عمل، خير أو شر، فهي محسوبة عليه وهو محاسب عليها بالنهاية، ولذا ينبغي له اغتنامها لحظة لحظة وجزءاً جزءاً، ولا يحسب أن عمره سيطول، فيؤجل عمله إلى الغد وبعد الغد، فإن: «العمر تفنيه اللحظات».
إن تقدم العمر بالإنسان عبارة عن قرب نهاية وجوده على هذه البسيطة، وخاتمة عمره في هذه الدنيا، والدنيا ـ كما في الحديث الشريف ـ (مزرعة الآخرة)، فلا بدّ للعاقل من استغلالها للآخرة، وعليه: فالساعات التي يضيّعها الإنسان هنا وهناك، بلا استثمار ولا استغلال، فإنه إنما يضيع بها جزءاً من وجوده، ويخسر عبرها مقداراً من أيام عمره.
يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «الساعات تنهب الأعمار» وقال (عليه السلام) في خطبة له: «أيها الناس، إنه من مشى على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان في هدم الأعمار».
وقال (عليه السلام) أيضاً: «واعلموا، أن الأمل يسهي العقل وينسي الذكر، فأكذبوا الأمل، فإنه غرور وصاحبه مغرور».
وقال (عليه السلام): «فاللّه اللّه معشر العباد، وأنتم سالمون، في الصحة قبل السقم، وفي الفسحة قبل الضيق، فاسعوا في فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها».
وقال (عليه السلام): «إنكم إن رغبتم في الدنيا أفنيتم أعماركم في ما لا تبقون له، ولا يبقى لكم».
وقال (عليه السلام): «إن أوقاتك أجزاء عمرك، فلا تنفد لك وقتاً إلّا فيما ينجيك».
استثمار العمر
لكي يحافظ الإنسان على فرصة عمره يلزم عليه أن يستثمر ساعات العمر، ولحظات الزمن بالعمل الصالح؛ إذ بواسطته سوف يطول عمر الإنسان؛ لأن «بركة العمر في حسن العمل» أو كما جاءت الأخبار متظافرة، في أن الصدقة وصلة الرحم تزيدان في العمر. فعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «صلة الأرحام تثمر الأموال وتنسئ في الآجال».
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الأجل».
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال، ومن يعيش بالإحسان أكثر ممن يعيش بالأعمار».
وقال الإمام الرضا (عليه السلام): «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها اللّه ثلاثين سنة، ويفعل اللّه ما يشاء».
ولا يخفى أن الصدقة وصلة الرحم، كلاهما من العمل الصالح والبِرّ والخير الذي دعت الشريعة إليه وشجعت عليه.
ومن جهة ثانية: فإن الإنسان عندما يؤدي العمل الصالح ويأتي بفعل الخير، فإنه يشعر بالراحة النفسية؛ لأنه يرى أن فعله هذا صدر في محله، وأنه قد استفاد من الزمن استفادة تامة، وأنه سوف لا يتحسر يوم القيامة على هذه اللحظات والساعات، على عكس الذي ضيع ساعات عمره في اللّهو واللعب، فإنه يندم على كل لحظة لم يستثمرها في فعل الخير، ويتعقب ذلك الندم حسرة نفسية وكآبة روحية.
ومن جهة ثالثة: فإن الذي يقدّر الزمن ويعمد إلى صالح الأعمال، إنما يزيد لروحه ومعنويته معنوية وكمالاً مضاعفاً، ومضافاً إلى طول عمره عندما يأتيه الموت تراه فرحاً مستبشراً؛ لأنه يشعر أنه غير مقصر في أمره، فلا يندم ولا يتحسر كما يتحسر من ضيع عمره، فبهذا الاهتمام والاغتنام وبفضل اللّه تعالى يضمن نجاته من أليم العذاب.
بعكس الذي لا يعرف قدر الزمن وثمن الساعات، فتمر عليه السنين والأعوام وهو في غفلة من أمره، فتراه يراوح مكانه دون أن يتقدم، ودون أن يضفي على نفسه كمالاً، فهذا مضافاً إلى تأخره وتقهقره في حياته، واضطرابه وخوفه عند موته، يحصد يوم القيامة حسرة وندامة، نتيجة جهله بالزمن وتغافله عن قيمة العمر والحياة.
وعليه: فالزمن مجموعة ساعات تتخللها فرص ثمينة للإنسان، فالذكي من اغتنمها وعمل فيها فربحها، والشقي من غفل عنها ولم يعمل فيها فخسرها، فإنها لن تعود أبداً.



