اخر الأخباراوراق المراقب

السيدة زينب “ع” ولادتها ونشأتها

ازدهرت حياة الاُسرة النبوية بالسبطين الكريمين الإمامين: الحسن والحسين عليهما السّلام، فكانا كالقمرين في ذلك البيت الكريم، الذي أذن الله أن يرفع ويُذكر فيه اسمه، وقد استوعبا قلب جدّهما الرسول صلّى الله عليه وآله مودّةً ورحمةً وحناناً، فكان يرعاهما برعايته، ويغدق عليهما بإحسانه ويفيض عليهما من مكرمات نفسه التي استوعب شذاها جميع آفاق الوجود.

لقد كان النبي صلّى الله عليه وآله يكنّ في دخائل نفسه أعمق الودّ لسبطيه، فكان يقول: هما ريحانتي من الدنيا.

وبلغ من عظيم حبّه لهما أنّه كان على المنبر يخطب، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، وهما يمشيان ويعثران فنزل عن المنبر فحملهما، ووضعهما بين يديه وقال: صَدَقَ الله إذ يقول: واعلموا أن أموالكم وأولادكم فتنة لقد نظرت إلى هذين الصبيين وهما يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.

وكان يقول لسيّدة النساء فاطمة عليها السّلام: ادعي ابني فيشمّهما، ويضمّهما إليه.

وفي تلك الفترة السعيدة التي عاشتها الاُسرة النبوية وهي مُترعة بالولاء والعطف من الرسول صلّى الله عليه وآله عَرَضَ للصدّيقة الطاهرة سيّدة نساء العالمين فاطمة عليها السّلام حملٌ، فأخذ النبي صلّى الله عليه وآله ينتظره بفارغ الصبر ليبارك به لحبيبته فاطمة، ولباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، أمّا ذلك الحمل فهو:

الوليدة المباركة

ووضعت الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السّلام وليدتها المباركة التي لم تولد مثلها امرأة في الإسلام إيماناً وشرفاً وطهارةً وعفةً وجهاداً، وقد استقبلها أهل البيت وسائر الصحابة بمزيدٍ من الابتهاج والفرح والسرور، وأجرى الإمام أمير المؤمنين على وليدته المراسيم الشرعية، فأذّن في أُذنها اليمنى، وأقام في اليسرى.

لقد كان أوّل صوت قرع سمعها هو: الله أكبر، لا إله إلاّ الله وهذه الكلمات اُنشودة الأنبياء، وجوهر القيم العظيمة في الأكوان.

وانطبعت هذه الاُنشودة في أعماق قلب حفيدة الرسول فصارت عنصراً من عناصرها، ومقوماً من مقوماتها.

ووُجومَ النبي وبكاؤه

وحينما علم النبي صلّى الله عليه وآله بهذه المولودة المباركة سارع إلى بيت بضعته، وهو خائر القوى حزين النفس، فأخذها ودموعه تتبلور على سحنات وجهه الكريم، وضمّها إلى صدره، وجعل يوسعها تقبيلاً، وبهرت سيّدة النساء فاطمة عليها السّلام من بكاء أبيها، فانبرت قائلةً: ما يبكيك يا أبت؟ لا أبكى الله لك عيناً. فأجابها بصوت حزين النبرات: يا فاطمة، اعلمي أنّ هذه البنت بعدي وبعدك سوف تنصبّ عليها المصائب والرزايا.

لقد استشف النبي صلّى الله عليه وآله ما يجري على حفيدته من الرزايا القاصمة التي تذوب من هولها الجبال، وسوف تمتحن بما لم تمتحن به أيّ سيّدة من بنات حواء. ومن الطبيعي أنّ بضعته وباب مدينة علمه قد شاركا النبي في آلامه وأحزانه، وأقبل سلمان الفارسي الصديق الحميم للاُسرة النبوية يهنئ الإمام أمير المؤمنين بوليدته المباركة فألفاه حزيناً واجماً، وهو يتحدّث عمّا تعانيه ابنته من المآسي والخطوب6، وشارك سلمان أهل البيت في آلامهم وأحزانهم.

تسميتها

وحملت زهراء الرسول وليدتها المباركة إلى الإمام فأخذها وجعل يقبّلها، والتفتت إليها فقالت له:سمّ هذه المولودة.

فأجابها الإمام بأدبٍ وتواضعٍ: ما كنت لأسبق رسول الله.

وعرض الإمام على النبي صلّى الله عليه وآله أن يسمّيها، فقال: ما كنت لأسبق ربّي.

وهبط رسول السماء على النبي، فقال له: سمّ هذه المولودة زينب، فقد اختار الله لها هذا الاسم.

وأخبره بما تعانيه حفيدته من أهوال الخطوب والكوارث فأغرق هو وأهل البيت في البكاء.

كنيتها

وكنيت الصدّيقة الطاهرة زينب بـاُمّ كلثوم، وقيل: إنها تكنى بـاُمّ الحسن.

سنة ولادتها

أمّا السنة التي وُلدت فيها عقيلة آل أبي طالب، فقد اختلف المؤرخون والرواة فيها، وهذه بعض أقوالهم:

1 – السنة الخامسة من الهجرة في شهر جمادى الاُولى.

2 – السنة السادسة من الهجرة.

3 – السنة التاسعة من الهجرة، وفنّد هذا القول الشيخ جعفر نقدي، فقال: وهذا القول غير صحيح لأنّ فاطمة عليها السّلام توفيت بعد والدها في السنة العاشرة أو الحادية عشرة على اختلاف الروايات، فإذا كانت ولادة السيّدة زينب في السنة التاسعة وهي كبرى بناتها فمتى كانت ولادة اُمّ كلثوم، ومتى حملت بالمحسن اسقطته لستة أشهر. وقال: والذي يترجّح عندنا هو أنّ ولادة زينب كانت في السنة الخامسة من الهجرة، وذكر مؤيدات اُخرى لما ذهب إليه.

نشأتها

نشأت الصدِّيقة الطاهرة زينب عليها السّلام في بيت النبوة ومهبط الوحي والتنزيل، وقد غذّتها اُمها سيّدة نساء العالمين بالعفّة والكرامة ومحاسن الأخلاق والآداب، وحفظتها القرآن، وعلّمتها أحكام الإسلام، وأفرغت عليها أشعة من مثلها وقيمها حتى صارت صورة صادقة عنها.

لقد قطعت شوطاً من طفولتها في بيت الشرف والكرامة والرحمة والمودة، فقد شاهدت أباها الإمام أمير المؤمنين عليها السّلام يشارك اُمّها زهراء الرسول في شؤون البيت، ويعينها في مهامه، ولم تتردّد في أجواء البيت أية كلمة من مرّ القول وهجره، وشاهدت جدّها الرسول صلّى الله عليه وآله يغدق عليهم بفيض من تكريمه وتبجيله وعطفه وحنانه، كما شاهدت الانتصارات الباهرة التي أحرزها الإسلام في الميادين العسكرية، والقضاء على خصومه القرشيّين وأتباعهم من عبدة الأوثان والأصنام، فقد ساد الإسلام، وارتفعت كلمة الله عاليةً في الأرض، ودخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً.

لقد ظفرت حفيدة الرسول صلّى الله عليه وآله بأروع وأسمى ألوان التربية الإسلامية، فقد شاهدت أخاها الإمام الحسين يعظّم أخاه الإمام الحسن عليه السّلام ويبجّله، فلم يتكلّم بكلمة قاسية معه، ولم يرفع صوته عليه ولم يجلس إلى جانبه، وشاهدت أخوتها من أبيها، وهم يعظمون أخويها الحسن والحسين، ويقدّمون لهما آيات التكريم والتبجيل، وكانت هي بالذات موضع احترام إخوتها، فكانت إذا زارت أخاها الإمام الحسين عليه السّلام قام لها إجلالاً وإكباراً وأجلسها في مكانه، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة قبر جدّها رسول الله صلّى الله عليه وآله خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين وأخواها الحسنان، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظّم، فسأله الإمام الحسن عليه السّلام عن ذلك، فقال له: أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك الحوراء.

لقد اُحيطت عقيلة بني هاشم بهالة من التعظيم والتبجيل من أبيها وإخوتها، فهي حفيدة النبي صلّى الله عليه وآله، ووريثة مُثُله وقيمه وآدابه، كما كانت لها المكانة الرفيعة عند العلماء والرواة، فكانوا إذا رووا حديثاً عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في أيام الحكم الاُموي، يقولون: روى أبو زينب، ولم يقولوا: روى أبو الحسنين، وذلك إشادة بفضلها وعظيم منزلتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى