اخر الأخباراوراق المراقب

الجهاد في نهج البلاغة

يقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في نهج البلاغة: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، أَلبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ والقماءة ـ أي ذُلِّل بالصّغار والإهانة، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالإِسْهَابِ ـ الثّرثرة ـ، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْييعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ ـ أي كلف المشقّة ـ وَمُنِعَ النَّصَفَ».

أهمية الجهاد:

إنَّ من يطّلع على مصادر التشريع الإسلامي من الـكتاب والسّنة يجد فيهما، تركيزاً كبيراً واهتماماً ضخماً بموضوع الجهاد، ففي القرآن الـكـريم ما يُقارب (40 آية) تتحدّث عن الجهاد بلفظ الجهاد ومشتقاته، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبيُ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمنَافِقِينَ وَاغلُظْ عَلَيهِم}.

{إنْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبيلِ الله}.

{فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}.

وهناك أكثر من (100 آية) تتحدّث عن الجهاد بلفظ القتال ومشتقّاته كقوله عزّ وجلّ: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ إِيمانَ لَهُم}، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتنةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله}. بالإضافة إلى مجموعة من الآيات تتحدّث عن الجهاد بلفظ الغزو والحرب والشّهادة ومشتقّاتها، بينما لا نجد في القرآن الحكيم عن الحجّ إلاّ (8 آيات) فقط، وعن الخُمس آية واحدة لا غير، وعن الصّوم (10 آيات) تقريباً.

وحينما نرجع إلى السّنة المطهّرة، نجد مئات الأحاديث والنُّصوص تركّز على موضوع الجهاد وتقرّر بصراحة، أنّ الجهاد أهمّ وأفضل من جميع الأعمال والعبادات الأخرى.

فعن الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): «فَوقَ كُلِّ ذِي بِرٍ برْ حَتَّى يُقْتَل فِي سَبيلِ اللهِ فَإذَا قُتِلَ فِي سَبيلِ اللهِ فَلَيْسَ فَوْقَه بر».

ويقول الإمام محمد الباقر (عليه السّلام): «الْجِهَادُ الَّذِي فَضَّلَهُ الله عَزَّ وَجَلّ عَلَى الأَعْمَالِ وَفَضَّل عَامِلَه عَلَى العُمّالِ تَفْضِيلاً فِي الدَّرَجَاتِ وَالْمَغْفِرَة».

وإذا ما قُمنا بجولة عابرة في ربوع [نهج البلاغة]، فسنرى أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعطي للجهاد مكانة خاصّة، ويرفعه إلى أعلى مستوى من الأهمية والتّقدير، ويمنحه أعظم الصّفات، حيث يقول (عليه السّلام): «الْجِهَادُ عِزُّ الإسْلام».

وكان المسلمون الأوائل والجهاد يشكّل جزءاً لا ينفصل من حياتهم العملية. فكانوا يرون فيه طريقاً سريعاً ومختصراً إلى الجنّة، فينتظر كلّ واحد منهم فرصته الغالية في الجهاد فـي سبيل الله ويتسابقون إليه ويستبشرون به.

فهذا حنظلة بن أبي عامر، وقد أنفق شبابه في العمل والكدح، حتى جمع له مبلغاً من المال ليتزوّج به، وفي أوّل ليلة من زواجه، وقد بدأ يقطف ثمرة أتعابه، ويعيش في ربيع أحلامه وأمانيه، سمع منادي الجهاد عند الفجر وأطلّ من نافذة داره، فرأى المسلمين يحثّون السّير، ويركضون ملبّين داعي الجهاد، فما كان منه إلاّ أن أسرع للخروج قبل أن يغتسل غُسل الجنابة، وحاولت زوجته مقاومته ومنعه واستثارة عواطفه، ودغدغة مشاعره، ولكنّه رفض البقاء، وأصرّ على الخروج، فاستشهد في صبيحة يوم عرسه.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ صَاحِبَكُم -يعني حنظلة- لَتَغْسِلُهُ الْمَلائِكَة». فسألوا أهله: ما شأنه؟! فسئلت صاحبته عنه، فقالت: “خرج وهو جنب سمع الهاتفة».

والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولم يكن عمره يتجاوز الرّابعة عشرة يتقدّم إلى عمّه الحسين ليلة عاشوراء، وبعد أن أخبر الإمام أصحابه بالمصير الّذي ينتظرهم صباح عاشوراء، وهو الشّهادة في سبيل الله حيث قال لهم: “يا قوم إنّي غداً أُقتل وتقتلون كلّكم معي ولا يبقى منكم واحد”. فقالوا: “الحمد لله الّذي أكرمنا بنصرك وشرَّفنا بالقتل معك.. وهنا تقدّم القاسم لعمّه الحسين (عليه السلام) قائلاً: وأنا فيمن يُقتل؟ وقبل أن يجيبه الإمام سأله: يا بني كيف الموت عندك؟ فأجاب القاسم فوراً: يا عمّ أحلى من العسل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى