اخر الأخباراوراق المراقب

جهاد التبيين لدى الإمام الحسين “ع”

يقول الله تعالى في كتابه العزيز (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) حيث يصرّح الله تعالى في هذه الآية المباركة أنّه أخذ ميثاقًا على الذين أوتوا الكتاب أن يبيّنوا للناس ويشرحوا ويوضّحوا لهم ولا يكتموا الحقائق ولا يُخفوها، نظرًا للآثار السلبيّة التي يتركها عدم التبيين على المجتمع من ضلالة وفتنة وجهالة، فكانت وظيفة الأنبياء والأولياء هي التبيين.

ولأهميّة قضيّة التبيين فقد تناول الإمام الخامنئي هذه الفريضة في العديد من خطاباته وفي مناسبات مختلفة، إلّا أنَّه كرّر الحديث والحثّ على التبيين في السنوات الأخيرة، فوصفه بالجهاد والفريضة، وأعطاه حكم الوجوب الحتمي والفوري مع ما يعنيه هذا التوصيف من لزوم المبادرة إلى الامتثال من كلّ مكلّف قادر مستجمع للشرائط، وما هذا الحث والتأكيد إلّا بسبب الهجمة الشرسة والتضليليّة التي يشنّها أعداء الإسلام علينا اليوم، هجمة فكريّة وثقافيّة وسياسيّة وفتنويّة، هدفها الإيقاع بين المؤمنين أنفسهم، وبينهم وبين قياداتهم ومرجعيَّاتهم، وبينهم وبين الآخرين.

إنَّ قضيّة التبيين هذه ليست مسألة مستحدثة وإنّما كانت الوظيفة الأساس للأنبياء والأوصياء عليهم السلام، وتتجلّى فريضة التبيين في مظاهر مختلفة على يد الإمام الحسين عليه السلام في حركته النهضويّة ابتداءً بالقول وصولًا إلى الشهادة، وهو ما سنسلّط الضوء عليه في هذه المقالة المختصرة.

ويحمل التبيين عدّة معانٍ منها الإظهار والإبانة وازدياد الإجابة والكشف وشرح المبهم وتفهيم المعنى والإفصاح مع ذكاء وغيره، والتبيين أعمّ من النطق فيشمل الكتابة والقول وقد يشمل الشهادة أيضًا.

التبيين في النصوص

ورد الحديث حول التبيين في عدّة نصوص قرآنيّة وروائيّة، وقد نُسب التبيين إلى الله تعالى كما في الآية الكريمة (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) كما نُسب التبيين إلى الرسول (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

كما ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: “وَجَاهَدْتُمْ فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ حَتَّى أَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ وَبَيَّنْتُمْ فَرَائِضَهُ وَأَقَمْتُمْ حُدُودَهُ وَنَشَرْتُمْ شَرَائِعَ أَحْكَامِهِ وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ وَصِرْتُمْ فِي ذَلِكَ مِنْهُ إِلَى الرِّضَا وَسَلَّمْتُمْ لَهُ الْقَضَاءَ وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضَى” حيث يظهر من الرواية أنّ أحد أهداف الأئمّة عليهم السلام من جهادهم هو تبيين الفرائض.

التبيين مرتبة إلهيّة خاصّة

ورد في الرواية عن الصادقين (عليهما السلام): “أنّ من وهب الله له حظًا من العلم، أوصله منه إلى ما لم يوصل إليه غيره، من تبيين ما اشتبه على إخوانه في الدين، وإرشادهم في الحيرة إلى سواء السبيل، وإخراجهم من منزلة الشكّ إلى نور اليقين” والواضح من الرواية أنّ التبيين والإرشاد للمؤمنين هو مرتبة خاصّة يهبها الله للعالم.

 وعند التأمّل في حركة الإمام الحسين عليه السلام بدءًا من المدينة ثم مكّة وصولًا إلى كربلاء وما رافقها من أحداث وكلمات وخطب له عليه السلام، كلّ ذلك يظهر بوضوح معالم حركة التبيين التي أرادها الإمام الحسين عليه السلام، بحيث يمكن القول إنّ التبيين هو أحد أهمّ أهداف نهضة عاشوراء؛ وفيما يلي نورد بعض الإشارات في هذا المجال:

أوّلًا: مصير الإمام الحسين عليه السلام كان معلومًا

من خلال:

1- الإخبارات الغيبيّة المنقولة على لسان النبيّ صلى الله عليه وآله.

ينقل العلّامة المجلسي عن أنس بن الحارث قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن ابني هذا -يعني الحسين- يُقتل بأرض من العراق.

ب‌- رسالته عليه السلام إلى محمد بن الحنفية: “بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومَن قِبلَه من بني هاشم. أما بعدُ: فإن من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام”

3- آراء العقلاء في زمانه ونصائحهم له بأنّ القوم سيخذلونه ولا قدرة ماديّة له لمواجهة جيش يزيد، بحيث كانت نظرتهم تقتصر على الجانب المادّي من الانتصار على يزيد وهذا ما لم تكن له أيّة مقوّمات ماديّة.

نستخلص من هذه الإشارات أنّ خروج الإمام الحسين عليه السلام كان يحمل عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكنّه يعلم، كما الجميع، أنّه لن يستطيع قلع يزيد عن الحكم، لذا كان له هدف آخر يتناسب مع حاجة المسلمين وتحدّياتهم في ذلك الوقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى