اخر الأخباراوراق المراقب

التقية من دين الله

نجد في بعض الأحيان، أن الأئمة (عليهم السلام) أمرونا بالبراءة من أعداء اللّه والرسول وأهل البيت (عليهم السلام)، وأيضاً أمرونا بالتقية، والجمع بين الدليلين، إنه يوجد هنا عنوان أوّلي وعنوان ثانوي، والتقية من ضروريات المذهب، فإذا تحقق موضوعها فقد تكون واجبة.

إن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يحثّون أصحابهم على التقية، وهذا ما أشارت له الروايات الشريفة، ففي صحيحة معمر بن خلاد، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): “التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له” و(لا) في قوله (عليه السلام): «لا تقية له» نافية للجنس، وتفيد العموم، وهي ظاهرة في العموم الاستغراقي، فإذا ترك إنسان التقية مع تحقق موضوعها، فلا يحق له أن يقول: أنا أعمل بحكم اللّه سبحانه وتعالى، بل هو ترك حكم اللّه بالتقية فلا إيمان له.

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: “إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له، والتقية في كل شيء إلّا في النبيذ والمسح على الخفين”.

وفي حديث آخر: عن عبد اللّه بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «التقية ترس المؤمن والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين اللّه عزّ وجلّ به في ما بينه وبينه، فيكون له عزاً في الدنيا ونوراً في الآخرة، وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه، فيكون له ذلاً في الدنيا، وينزع اللّه عزّ وجلّ ذلك النور منه». والتُرس هو الوقاية التي تحفظ المؤمن.

إن الإمام الصادق (عليه السلام) كان في فترة من أيسر الفترات على أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأحسن الظروف، فالأئمة الذين سبقوه كانوا في زمان بني أمية، وأمّا الأئمة الذين جاءوا بعد الإمام الصادق (عليهم السلام) فكانوا في ظروف صعبة جداً، حيث كانت دولة بني العباس في أوج قدرتها، وهذه الأحاديث أكثرها عن الإمام الصادق (عليه السلام)، مع أنه كان يعيش في أيسر الظروف.

وفي رواية أخرى، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله، فأقرئهم السلام وقل لهم: رحم اللّه عبداً اجتر مودة الناس إلى نفسه، حدثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون، ثم قال: واللّه ما الناصب لنا حرباً بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردوه عنها، فإن قبل منكم وإلّا فتحملوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه، فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم، فإن هو قبل منكم وإلّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم، ولا تقولوا: إنه يقول ويقول، فإن ذلك يحمل عليَّ وعليكم، أما واللّه لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنكم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش، قد ولدني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وعلمت كتاب اللّه، وفيه تبيان كل شيء، بدءُ الخلق وأمر السماء وأمر الأرض وأمر الأوّلين وأمر الآخرين، وأمر ما كان وأمر ما يكون، كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني».

إطلاق دليل التقية

إن من نِعم اللّه سبحانه وتعالى علينا أن جميع ما نعتقد به نحن، والذي بيّنه لنا اللّه في القرآن وبيّنه الرسول (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) في أحاديث أصحابنا الصحيحة، أيضاً هي موجودة في كتب العامة.

فلا بدّ لنا من أن نتمسك بكلام النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، ولا يحق لأيّ شخص أن يقول: أنا أترك التقية؛ لمجرد أن هذه المسألة موجودة في كتب المخالفين، بل حتى إذا كانت موجودة في كتب المخالفين فهي لا تعني ترك التقية لو كان موضوعها متحققاً فأئمتنا (عليهم السلام) أمرونا بالتقية فيجب الأخذ بها.

بين الإفراط والتفريط

إنه يوجد هناك إفراط وتفريط، أمّا التفريط فهو أن يقول البعض: إنه يلزم عليك أن تنتزع البراءة من أعداء أهل البيت من قلبك، وفي مجالسك الخاصة لا تتفوه بذلك، وأمّا الإفراط فهو ما يقوله البعض بأنه كلما تعتقد به فجاهر به، إلّا أنه لا هذا هو الذي أمرنا به الأئمة (عليهم السلام) ولا ذاك.

فلا يحق لشخص أن يقول: إن هذا الحكم الشرعي لا يعجبني، ولو فرض أن أحد قال ذلك فهذا نقص في إيمانه، قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا) فإذا قال النبي وأهل بيته (عليهم السلام) شيئاً، فلا بدّ أن نسلم به، عقيدة وعملاً.

والحاصل: أنه على المؤمن أن يقوّي عقيدته ويربّي أولاده على العقيدة السليمة الصحيحة، بما فيها البراءة، ولكن إذا تحقق موضوع التقية فعليه أن يراعيها.

وفي الحديث: «تسعة أعشار الدين في التقية» وأحد معاني هذا الحديث هو أن التقية هي التي حفظت الشيعة في طول التاريخ، ولولاها لأُبيد الشيعة بأجمعهم، ففي بعض البلدان نجد النظام الحاكم يطارد الشيعة في كل شيء، حيث يستعمل أبشع أنواع الطائفية ضدهم، حيث يحرمون من المناصب والمال والثروة وكل شيء، لكن الشيعة في هذا البلد حافظوا على دينهم، ونقلوا الولاء من أهل البيت والبراءة من أعداء أهل البيت إلى أولادهم، رغم الإعلام المضاد. ففي بعض البلدان من الصف الأوّل الابتدائي ـ حسب ما ينقل ـ يدّرسون الأطفال عقائد المجسّمة وتكفير الشيعة ومع كل ذلك لم نسمع أن أحدهم انسلخ عن دينه وعقيدته؛ وسبب ذلك أن الشيعة هناك جمعوا بين أمرين: العقيدة السليمة، حيث حافظوا عليها ونقلوها إلى أولادهم، والثاني: إنهم استعملوا التقية، فلم يعطوا الذريعة للطرف المقابل لكي يقتلهم؛ لذا حافظوا على أنفسهم ودينهم ودين أولادهم.

يقول العلامة المجلس (رضوان اللّه تعالى عليه): «لأن أكثر الخلق في كل عصر لمّا كانوا من أهل البدع، شرع اللّه التقية في الأقوال والأفعال، والسكوت عن الحق لخلص عباده عند الخوف حفظاً لنفوسهم ودمائهم، وأعراضهم وأموالهم، وإبقاءً لدينه الحق، ولولا التقية بطل دينه بالكلية، وانقرض أهله لاستيلاء أهل الجور، والتقية إنّما هي في الأعمال لا العقائد؛ لأنها من الأسرار التي لا يعلمها إلّا علام الغيوب».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى