اخر الأخباراوراق المراقب

إشكاليات الحرية والاختلاف

من البديهي القول، إن الحوار والتواصل بين المختلفين ليس حالة طارئة، أو تكتيكا سياسيا، وإنما هو من القواعد الثابتة التي يرسي دعائمها الدين الإسلامي للتعامل بين المختلفين والمغايرين.

فالمسلم لا يتحرك في دعوته في أجواء الإرهاب والقتل والتدمير، بل في أجواء الحوار والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن، وإن الذي يتطلع إلى إنجاز مشروعه الفكري والدعوي بالقتل والتفجيرات والاغتيالات، فإنه يناقض بذلك نصوص الشريعة الإسلامية، ويحارب قيمها ومبادئها، ويدفع الناس بوعي أو من دون وعي للانفضاض من حوله.. فالإسلام لا يدعو إلى ممارسة القسر والكراهية في الدعوة إليه، بل على العكس من ذلك تماما.. إذ يحدد مهمة وظيفة الرسل الأساسية في التذكير والموعظة، إذ يقول تبارك تعالى (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).

ويقول تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر) ويقول عز من قائل: (لقد جاءكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) فـ”القوة -مهما كانت درجتها- لن تنسجم مع طبيعة الرسالة الإسلامية، ما دامت القوة تعني محاصرة العقل وفرض الفكرة عليه تحت تأثير الألم أو الخوف، وحتى عندما يحني رأسه أمامها فإنه يتظاهر بالقبول ليخرج من الكابوس، ويبقى بينه وبين الاعتقاد مرتع غزال”.

فالعنف ليس وسيلة من وسائل الدعوة، بل هو وسائل التنفير والتدمير، وأي طرف يتوسل بهذه الوسيلة، فإنه يهدد الاستقرار السياسي والسلم الأهلي.. ولو تأملنا في سيرة الرسول الأكرم (ص)، سنجد أن الدعوة النبوية قامت على المحبة والأخلاق الفاضلة والتحلي بأجمل الصفات نفسا وسلوكا، وقال رسول الله (ص): (السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم).

ان قتل الأبرياء ليس طريقا إلى سيادة الشريعة، وممارسة الإرهاب بكل صوره ليس سبيلا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، لذلك فإن الكثير من الأعمال الإجرامية التي تحدث اليوم باسم الإسلام والجهاد، هي في ذاتها وتأثيراتها لا تخدم الإسلام والمسلمين، بل تدخلهم في الكثير من التحديات، وتهدد الكثير من المكاسب على المستويات كافة. فالعنف الديني والإرهاب الذي شاع في العديد من الدول والبلدان، بحاجة إلى مواجهة شاملة، حتى يتم إنهاء الجذور الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تقف خلف هذه الظاهرة الخطيرة وتغذيها باستمرار.

وفي إطار مواجهة آفـــة العنف والإرهاب، نحن بحاجة إلى التأكيد على النقاط التالية:

1– ضرورة الوقوف بحزم ضد كل أنواع التحريض التي تمارس ضد المختلف والمغاير، لأن استمرار حالات التحريض، هي التي تخلق البيئة الاجتماعية الحاضنة لممارسات العنف وأعمال الإرهاب، ولا يمكننا أن نواجه هذه الجرثومة، إلا بتجريم كل الممارسات والأقوال التحريضية، والتي تدق إسفينا بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. ولعلنا لا نجانب الصواب، حين القول، إن الكثير من الأعمال والتصرفات والتي يمكن وصفها بأنها من ممارسات وأشكال العنف الديني، هي بشكل أو بآخر جراء ثقافة التحريض ومقولات التسفيه والتحقير التي تتوجه إلى فئة أو شريحة من المجتمع.

2– إن الاعتراف بالآخر في الدائرة الوطنية أو الإسلامية، لا يشرع إلى التحاجز وخلق الكانتونات والجزر الاجتماعية المنفصلة عن بعضها. وإنما من أجل دمج كل هذه التعبيرات والأطياف في بوتقة واحدة وهي بوتقة الوطن والمواطنة.. فنحن مع الاعتراف بكل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لكل شريحة أو فئة، ولكن هذا الاعتراف لا يعني الانكفاء والانعزال أو القبول بحالة التشظي الاجتماعي، إنما الاعتراف الواعي والحضاري، والذي يقودنا إلى بناء مواطنة متساوية بين جميع الأطراف والتعبيرات، فالاعتراف بالخصوصيات، لا يلغي مفهوم المواطنة، بل يبنيها على أسس ومنظومة الحقوق والواجبات المتكافئة والمتساوية، فالرسول الأكرم (ص) في المدينة المنورة ومن خلال صحيفة المدينة، أسس إلى هوية جامعة قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية.

حيث تضمنت هذه الوثيقة تنسيق العلاقة بين المسلمين واليهود، وبعض من المشركين العرب، فــــقد كان الانتماء إلى دولة المدينة هو مقياس المواطنة، فالكل (بصرف النظر عن أديانهم) آمنون فيها، والكل مسؤولون عن حمايتها، وبهذا خلق الرسول الأكرم (ص) في المدينة المنورة تجربة قامت على مواطنة متساوية بين مجموعات بشرية متغايرة في أديانها ومعتقداتها.

من هنا نصل إلى حقيقة أساسية في مشروع مواجهة ظاهرة العنف والإرهاب. وهي إننا كلما تقدمنا خطوات نوعية في مشروع إنجاز المواطنة المتساوية، اقتربنا أكثر في إنهاء الجذور السياسية والفكرية لهذه الظاهرة الخطيرة. لذلك نجد أن المجتمعات التي تعيش وضعا مستقرا على هذا الصعيد، هي الأقدر على مقاومة هذه الظاهرة وضبطها.

فالمواطنون سواء بصرف النظر عن أيدولوجياتهم وقناعاتهم الفكرية والسياسية، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال، ممارسة التمييز ضد بعض المواطنين لاعتبارات لا تنسجم وحقائق ومتطلبات المواطنة.. وينقل لنا التاريخ الإسلامي، الكثير من القصص، التي توضح أهمية المساواة وتكافؤ الفرص.

فالاختلاف العقدي لا يعني الحرب الاجتماعية، والتباين في القناعات والمواقف لا يعني ممارسة التهميش والإقصاء.. تبقى قاعدة (البر) هي الحاضنة لكل التنوعات والتعدديات.. إذ يقول تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطينٍ). (5) “ان النص ليس ظاهرا وحسب، بل هو بحر من الدلالات، وهو سيل من الأفكار والتصورات التي تكمن في باطنه، وتتوارى في أخاديد كلماته وحروفه والعلاقة بينهما، ونحن نعلم أن الكتاب الكريم حرم السب تحريما مطلقا، وحرم التجديف بحقوق وشرف الناس وسمعتهم، مهما كان دينهم، ومهما كانت لغتهم، والسب ظاهرة بارزة في حواء المتخلفين والطغاة والأميين، وهذا يضيف جمالاَ آخر إلى جمال الإسلام في معــالجة قضايا الخلاف”.

فالمواطنة بمؤسساتها وقيمها وروحها، هي القادرة على دمج مختلف التنوعات في بوتقة واحدة بحيث تتحول التنوعات من مصدر قلق، إلى رافد من روافد الإثراء والتمكين.

3– يسعى البعض وعبر وسائل مختلفة إلى التفتيش على عقائد وأفكار الآخرين. ويجعل من نفسه (فردا أو جماعة) المحاسب على الصحة والفساد. فهو الذي يوزع صكوك الغفران والمقبولية، وهو الذي يطلق أحكام الضلال والبعد عن الجادة والطريق المستقيم، أو أحكام الهدى والسير على الجادة. ولا يكتفي بذلك بل يعمل على محاسبة الناس على أفكارهم وانتماءاتهم العقدية والفكرية.

ولا شك أن هذه الممارسات، تعطي للبعض سلطة ليست له، وتجعله يمارس واجبا ليس مكلفا به، وذلك لأن الباري عز وجل هو المعني وحده جل جلاله بمحاسبة الناس على عقائدهم وأفكارهم، إذ يقول تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعلمون، الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) فوجود فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تخول للإنسان مهما علا شأنه أن يتدخل في خصوصيات الناس، ويفتش عن عقائدهم وأفكارهم. فإن للإنسان حرمة وقدسية، لا يجوز التعدي عليها بأي شكل من الأشكال. ولعل من أهم جوانب هذه الحرمة، رفض محاولات التفتيش على العقائد والأفكار، والتدخـــل (إذا جاز التعبير) في مختصات الباري عز وجل.

فالعدل هو المطلوب في العلاقة الاجتماعية والإنسانية، أما مسائل الضمائر والقلوب والعقائد، فالباري عز وجل هو الذي يحكم فيها.. ولا يجوز لأي إنسان أن يفتش على عقائد الناس.

يقول تبارك وتعالى: (وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير).

فالرسول الأكرم (ص) لم يجبر أحداً على تغيير عقيدته، وعمل على صيانة حقوق الجميع.

وإذا كان هناك اختلاف وتباين بين المواطنين في عقائدهم وأفكارهم، فالمطلوب أن يحترم كل طرف عقائد وأفكار الطرف الآخر. ولا يجوز بأي شكل من الأشكال الإساءة لعقيدة أو أفكار أي مواطن. وعلى ضوء هذا الاحترام المتبادل، يتم الحوار بين المختلفين، وليس حوارا بين صاحب الحق والهدى، وبين آخرين يعيشون في ضلالهم وزيغهم، لذلك يقول تبارك وتعالى (قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) فالمساواة في الاختلاف من الضرورات العميقة التي تساهم في نجاح أي مشروع حواري وفي أية دائرة من الدوائر.

فـ”الأصل في العلاقات مع الآخر في القرآن هي التواصل الفكري، والاجتماعي، والعائلي، والأخلاقي بدليل جواز مؤاكلتهم، ومخالطتهم، ومشاربتهم، ومصاهرتهم، والتعامل معهم في كل مجالات النشاط الاجتماعي” وهذه المقتربات لا تنسجم مع (التولي والتبري) كما يعرضها البعض في قالب عدواني ابتدائي مسبق، فإن الموالاة المنهي عنها تأتي في نطاق إعلان الكره والحرب من قبل الطرف الآخر، أنها تبدأ من الطرف الآخر، هي جواب على موقف سلبي من الآخر يبدر منه أولا، وليس مع كل (مخالف)، كما هو مقرر في الفقه الإسلامي، وإن المودة المنهي عنها في الكتاب الكريم هي مودة الذين ينصبون العداء السافر، ويعملون على التعريض بالمؤمنين، ومن ثم هي حالة قلبية أكثر مما تكون حالة عملية، بل هي موقف قلبي صرف عند كثير من الفقهاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى